وهذا من التزويق، لما نأتي إلى المسألة في أمر الدين فلا ينفع فيما هو طاف طاهر للناس وما هو راسب لا قيمة له إلّا الإخلاص. ولذلك علمائنا لمّا يأتون لكتب النووي، ما الذي نشرها؟ الإخلاص. لما تأتي لكتب ابن كثير، ما الذي نشرها؟ الإخلاص. لأنّ الدين لا ينفع معه إلّا الإخلاص.
نرجع إلى هذه القضية وسنواصل إن شاء الكلام عنه في الدرس القادم.
فأنا أقول لعلّ -وأرجو من ابنه الأستاذ عمر أن يكتب لنا شيئًا من هذا-، هل كان رفاعي سرور يشعر أنّه يكتب للا أحد. هل وصل للحظة أن يقول: أنا أكتب لمن؟
وهذه وجدتها للأسف في حياة بعض العلماء المعاصرين كما وجدتها في الشيخ كشك لما قال يومًا:"والله لو كنتم ذبابًا لسمعت لكم طنينًا". وهذا غلط، مع أنّ الشيخ كشك هو أستاذ الخطوة السياسية في العالم الإسلامي، ولا أحد يجادل أنّه أستاذها وإمامها، لكن من بعض الأقوال التي نُسبت إليه أنّه قال:"أنا تكلّمت سليم ما صنعت شيئًا". ورأيت بعض المشايخ يجلس التسع سنوات يخطب في مسجد ثم ييأس ويجلس في بيته يقول ماذا صنعت، وهذا خطأ.
عدم الانتشار وعدم التأثير هذا له أسبابه لكن ينبغي ألّا تتوقف، إمامك في هذا ينبغي أن يكون إبليس! من إمامك في عدم التوقف؟ إبليس. كم من نبيّ خرج من تحت مخالبه؟ كم من نبيّ دخل الجنة؟ آلاف الأنبياء. كم من الصالحين خرجوا منه؟ كم من العبّاد؟ كم من المجاهدين نجوا من براثنه ومن مخالبه؟ سيملؤون الجنّة، وهل يئس؟ ما يئس.
ولذلك الأنبياء لم ييأسوا والدعاة لا ييأسون. تعبت في جانب لم يفلح اتركه، وعند اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامة، أنت تؤذن في الناس، والمؤذن يضع أصابعه في أذنيه ويؤذن. اكتب، ثم يأتي من يقرأ كتابك. سيأتي يوم من يقرأ كتابك. ولذلك التوقف عن الكتابة لسبب أو ظنّ أنّ الناس لا يسمعون هذا خطأ.
وليس المهمّ أن يُنشر كلامك بالآلاف، المهمّ أن يأخذ كلامك رجل يستحق أن يحمل هذا الكلام. الآن هناك واحد خطب في الملايين ثم طلب منهم فعلًا فلم يستجب له إلّا مائة، وواحد خطب في مائتين فلم يستجب له إلّا مائة وخمسين، فمن الأفضل؟ الذي استجاب له المائة والخمسون. أنت ما دخلك؟ المهمّ أن يأخذ هذا الكلام لمن يفهمه ومن يمشي فيه ومن يسير به ويفعّله في حياة الأمة وليس العبرة بالكثرة. فبعض الّناس يكتب وينظر هل يقرأ النّاس، هل يسمعون، لماذا لم ينتشر هذا الكتاب؟ لماذا تنتشر الكتب الضعيفة؟ لماذا تنتشر الكتب الّتي لا قيمة لها والّتي فقط بالأسماء؟ هذا عالم التسويق، في النهاية