بنصف ساعة وهكذا. هو مسكين يركض أوّل دقيقة، أوّل لفة، فيتلم فيقول كما يقول العوام في بلادنا"حرّوم"لا أعود إليها، لماذا؟ لأنّه لا يجد المتعة التي غُرست في ذهنه من أجل القراءة، هو لم يجدها.
هو سمع الشيخ في التلفاز، أخذ الشّريط سمع أنّ شيخًا يقول:"هذا كتاب جميل ستتمتّع به اقرأه هذا كتاب مهمّ؛ فالمسكين يذهب إلى السوق فيقع بين يدي نصّاب من بائعي الكتب -وأغلبهم كذلك-، فيأتي إلى الكتاب، البائع يضحك عليه، يعرف أنّه جديد، نازل على الساحة جديد؛ فيبيعه الكتاب الذي بثلاثة دنانير بعشرة وهو لا يعرف، فيذهب المسكين البيت ويجلس جلسة يريد أن يتثقّف، هو يريد أن يبدأ رحلة المتعة! فيبدأ الكتاب وما إن ينتهي من نصف الصفحة الأولى؛ حتّى يشعر أنّه قد أُرهق -من أول لفّة! -."
المسكين ماذا يصنع؟ يأخذ الكتاب يقول ربّما أنا غير منتبه، فيرتاح ثمّ بعد ربع ساعة يرجع إليه يقرؤه، يزداد الكتاب عماءً أمام عينيه، ثمّ يعود إليه مرة أخرى، يقول: ما المشكلة؟ يقول: الظاهر أنّ هناك مشكلة، إمّا أنّني لا أصلح لهذا الفنّ أبدًا فيقول:"حرّوم"، وإمّا أن يقول: لعلّ هذا الكتاب مزوّر ليس هو الكتاب الذي قال عنه المحاضر، وهكذا.
وهنا أنبّه على أنّ القراءة -كما قلت كثيرًا لكم- هي تدريب، القراءة ملكة عقل، والعقل يُدرّب كما تُدرّب أيّ عضلة في البدن. فلا بدّ أن تسلك معه القليل، ملكة القراءة، هذا فنّ عظيم ينبغي أن تبدأ فيه الرحلة الطويلة من خلال الخطوات الأولى البطيئة؛ حتّى تصل إلى القراءة الواعية وتصمد. كما أنّك دخلت الصف الأوّل الابتدائي وأنت لا تعرف شكل الحرف، لا الألف ولا الباء، فبدأ معك المدرّب والمدرّس ببيان الحرف، حتّى ارتقى هذا الطفل الصغير الذي تكمن في داخله قوّة الطبيب ولم تظهر، حتّى بلغ مبلغ الرجال ودرس وسلك جميع الدرجات حتى وصل بأن أخذ شهادة الطبيب.
لو جاء واحد وقال لك: هذا الطفل الصغير هو طبيب، فأنت إذا كنت سننيًا تقول: نعم فيه قوّة الطبيب ويمكن وليس بعيدًا، ولكن الجاهل يقول: كيف يكون هذا طبيبًا؟ وهكذا.
أوّلًا، من خلال القراءة إيّاك وأنت تقرأ أن تقول أنا لم أفهم شيئًا. بعض النّاس وهذه يراها كل أحد، إيّاك أن تظنّ أنّك أنت المختصّ بهذه الصفة، وأنّها فيك دون بقية الناس، لا! هذه موجودة في كل النّاس، ما هي؟ حين تقرأ كتابًا، فبعد أن تقطع منه الشوط الّذي تحبّ، أو الّذي تريد، أو الّذي وصلت إليه، فتقف قليلًا ما الّذي بقي في ذهنك من هذه القراءة؟ الجواب: لا