فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 715

أين أتيت بها؟ يقول: لا أدري. لماذا لا يدري؟ لأنّ مجموع هذه الحكمة التي نطق بها هي أفراد ما لو أُفردت لما شكّلت هذه الحكمة؛ لكنّها باجتماعها صارت هذه الحكمة التي نطقت بها. هذه مهمّة جدًا.

أنت وأنت تسمع الآن، السّماع أكثر وعيًا من القراءة، الأذن أكثر وعيًا عند الحفظ وعند الانتباه. لماذا؟ لأنّها تحسّ بالكلام، الكلام له إحساس. ليس فقط كلمة تبيّن عن المعنى، وهذا شرحناه أنّ اللغة ليست فقط من أجل إبانة المعاني، قلنا هي أعظم من ذلك، هي أحاسيس بل هي ميزان عقلي. ذهبنا إلى أبعد من هذا، اللّغة ليست من أجل الإبانة فقط، ليس فقط من أجل أن تعرّف الآخر ماذا في نفسك عن هذا الموضوع، سواء كان هذا الموضوع يتعلّق بالمعاني أو يتعلّق بالأعيان، ولكنّها كذلك نقل مشاعر وأحاسيس، أمر كامن في النفس تحسّه وتشعر به حين ينطق به الذي ينطق بها أمامك.

وبهذا أنت تعلم أنّك حين تقرأ، إنّما هي كقطرة الماء التي توضع في البحر، هو لا يحسّ بها، ولكن هذه القطرات عندما تتدافع وتتكاثر تشكل نهرًا عظيمًا، تشكّل تسونامي!

ولذلك من خدع القراءة الأولى قولك: إنّي لم أستفد! لو لم تستفد إلّا أنّك صبرت على القراءة فأنجزت الكتاب لكان كافيًا؛ لأنّها علّمتك أن تنظر، وهذا مرهق للذهن في الابتداء. يعني بعض الناس يقول: والله يا شيخ ما أمسك الكتاب إلا وأنعس. بمجرد أن أفتح الكتاب لأقرأ أنام.

إذًا مجرّد القراءة هي عملية، سواء حصلت آثارها أو لم تحصل. مجرّد أنّك تصبر في أن تنظر للكتاب وتحاول أن تدرس فيه هذا شيء عظيم، بعد ذلك تصبح حكيمًا.

فإذًا أن تقول أنا أشعر أنّي أقرأ ولا أفهم وربّما أفهم ولكنّي عندما أعود إليه، أو أمرّ إلى فكرة أخرى، أشعر أنّي لم أقرأ شيئًا، فهذا من خدع القراءة.

ولذلك يُقال للمرء: اقرأ، اقرأ. وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجل وقد اشتكى بطن أخيه: (اسقه عسلًا) ،راح ورجع فكرّر عليه: (اسقه عسلًا) . اقرأ، اقرأ لا تتوقف، وهكذا.

النقطة الثانية وهي قضيّة أنّي أقرأ ولا أفهم. ما تفهمه هو خير، وما لا تفهمه تجاوزه، يعني الكتاب ربّما تجد فيه أفكارًا صعبة ليس مهمًا أنّك لم تفهمها، ويكفي أنّك قد خرجت بفائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت