نحن نؤمن أنّه لولا الإسلام لكان عمر بيّاع بندورة. ونؤمن أنّه لولا الإسلام لما كان لأبي بكر شأن في الوجود. نعم فيهم خصائص عظيمة لكن هذه العظمة لا يمكن أن تنشأ وأن تُرعى وأن تحقّق أثرها إلا بعظمة الإسلام. هذا أغفله العقّاد ولم يهتمّ له. ولذلك عنوان كتابه العبقريات، عبقرية عمر، من الذي أنشأ هذه العبقرية؟ من الذي أوجد لها مساحة الفعل؟ هو الإسلام، الدين. وهذا يغفلونه.
والعقّاد كان يؤمن بالرجل البطل الأسطوري. هل الحضارة تُنشأ البطل الأسطوري؟! أم أنّ البطل الأسطوري لا وجود له في صناعة الحضارة إلّا من خلال بيئة اجتماعية أو فكرة دينية تصنعه؟ الآن الحضارة الإسلامية هل يستطيع الشخص أن ينشئ حضارة؟ الجواب: لا. والجموع ليست مجرد مسوقة لفكرة البطل. لماذا هذا أقوله؟ أقول هذا الكلام؛ لأنّ هؤلاء الذين تكلّم عنهم الأستاذ شاكر لا يستطيعون في عزلتهم العلمية وعبقريتهم العلمية، لا يستطيعون أن يصنعوا حضارة إن لم ينتجوا واقعًا اجتماعيًا. فالحضارة هي فعل أمّة وليست فعل شخص.
هو نظر إلى هؤلاء العباقرة أنّ هذا الزبيدي شرح القاموس وإمام لغة وغيره، لكن أين هذا الأثر في حياة المجتمع لينشئ الحضارة؟ أين يستطيع أن يثبت لنا أنّ الزبيدي في شرحه للقاموس في تاج العروس أنّه كان يمشي بين الناس ويتحرّك ويبثّ نوره وله جموع تمشي معه؟ فقط نستطيع أن نقول أنّ ابن عبد الوهاب هو الّذي حقّق شيئًا من هذا مع وجود المعوّقات. لأنّ السقوط كان أقوى من البناء في عالم الإسلام.
هذا الأب الكبير أين أثره في أن ينشئ علمًا ماديًا ما؟
ولذلك أستطيع أن أقول بأنّ ما ذكره الأستاذ شاكر من أنّ هؤلاء كان عندهم القدرة بما عندهم من علم خاص، أنّ عندهم القدرة على إنشاء حضارة هذا كلام يحتاج إلى توقف وعدم انجرار وراءه. وعندما تقوم أمّة بإنشاء حضارة فإنّها تستطيع إذا ملكت زمامها والأمّة لم ينقصها العدد، لم ينقصها الدين، كانت فيها مقومات البقاء، ولو كانت حقيقة في أفعالهم بذرة إنشاء حضارة. فإنشاء العلوم هذا ما عليه كلام، لكن بذرة إنشاء حضارة لو كان كذلك لما استطاع الغرب أن يفعل فعله.
والدليل أنّنا غُزينا من قبل، وهُزمنا من قبل على يد التتار وعلى يد الصليبيين. فإنّ هذه الأمّة قد غُزيت عسكريًا وسقطت بغداد على يد التتار، وسقطت بلاد الشام كرسيّ مملكة الإسلام ومع ذلك لم تسقط الأمّة، لماذا؟ لأنّ حالة الأمّة كانت حيّة،