الحديبية، وصلح الحديبية هو أمرٌ قدري. بمعنى كيف أفهم أنّ هذا الفعل فيه الخير للمسلمين؟ المسلم العابد لا يعترض على الشرع، بل هو كلّما جاءه الشرع طلب المزيد منه من أجل زيادة القربة لله.
ولذلك أبو بكر وعمر -رضي الله تبارك وتعالى عنهما-، لمّا زاروا أمّ أيمن وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزورها -وهي حبشية أرضعت ورعت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبكت وجعلا يبكيان معها، ثمّ قالا لها:"لم تبكين؟ أما تعلمين أنّ ما عند الله خير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -"-؟ قالت:"إنّي لأعلم أنّ ما عند الله خير لرسوله، وأنّ رسول الله قد صار إلى خيرٍ ممّا كان فيه، ولكنْ أبكي أنَّ الوحيَ قد انقطع عنّا من السماء".
هذا الإحساس الرائع الجميل في علاقة العابد بالغيب، وتحرّره كثيرًا كثيرًا من عالم المادّة إلى عالم الغيب هو ما يطلبه العابد. ومعنى كلامها من جهة أخرى أنّ الوحي إنّما يحمل الشرع. فالمزيد من الشرع المزيد من القربة إلى الله. فالعابد يتعلّم ليزداد معرفة بالشرع من أجل أن يزداد قربًا إلى الله.
فالعابدون لا يعترضون على الشرع، وإنّما فتنة العابد أغلبها في القدر. وهو القيام بين مقامين عظيمين، هو مقام الشكر ومقام الصبر.
القدر مجموع كلّه في قوله - صلى الله عليه وسلم: (إٍنّ أَمْرَ المُؤْمِنِ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ) مقام الصبر ومقام الشكر. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} ، وهذه تكرّرت كثيرًا في كتاب ربّنا. فمقام الصبر في الابتلاء هو على الأمر القدري في الأغلب وإن كان الشرع يُبتلى به المرء. ومقام الشكر كذلك في الأمر القدري، وإن كان كذلك يمكن أن يكون الشكر على الأمر الشرعي. ففتنة العابدين أغلب ما تكون في القدر حين يتأمّل مجاري الحياة وسنن جريان حركة الوجود فلا يستطيع فهمها.
الآن سأضرب أمثلة كيف يمكن للحدث الواحد أن يكون ابتلاءً للرفعة وأن يكون عذابًا. يعني عندما يقول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ساق الله -عزَّ وجلَّ- هذه الأفعال القدرية على جهة الابتلاء للمؤمنين، من أجل: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} حتّى يحصل هذا الفضل من الصبر: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} .
فدلّ على أنّ هذا هو ابتلاء من أجل تحقيق مقامات غيبية في الجنّة لا يمكن أن يدركها المرء في مقام الشكر. هناك درجات في الجنّة خاصّة لأعمال كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن اللهَ أعدَّ للمجاهدِ في سبيلِه مائةَ درجةٍ) لا يبلغها إلا المجاهد، قال تعالى: إِنَّمَا