يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، مقام الشكر له درجاته الخاصّة به، مقام الصبر له درجاته الخاصة به، حتّى أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال في الحديث مع الاختلاف في قوّته: (من الذُّنوبِ ذنوبٌ لا يُكفِّرها إلا الهمُّ بطلبِ المعيشةِ) . هناك مقامات لا تُكفّر إلا بأنّ تصبر في أن تقوم بشأن أهلك. كما قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّ الجنّة لها أبواب، منها باب يدخله الصائمون المصلون، هكذا. -وباب الصائمين هو باب الريّان-.
فإذًا هناك أبواب خاصّة بالله -عزَّ وجلَّ- يبتلي بالصبر عبادًا له يحبّهم؛ من أجل أن يبلغوا هذا المقام. هذا المقام في عالم القدر هو على نفس وفق مقام القدر، دون النّظر إلى الأمر لا في عاقبته ولا في حال الواقع عليه هو على نفس الحال بالنسبة للمنافق قال -سبحانه وتعالى-: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} . فممّا ابتلى الله -عزَّ وجلَّ- به المنافق -انتبهوا هذا الابتلاء للمنافق، أنا ذكرت الأوّل الذي فيه خصوصية الإيمان، الثاني ليس هناك خصوصية هناك الاشتراك، هذه الآية من سورة التوبة إنّما نزلت في حال اختلاط المؤمنين والمنافقين، فالحال القدري واحد. يعني هو وقع على المدينة فأصاب المؤمن والمنافق، أصاب هذا وهذا، فسمّاه الله -عزَّ وجلَّ-: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ} هذا خطاب للمنافقين، والأمر القدري في نوع جنسه واحد في وقوعه على هؤلاء وهؤلاء.
وكذلك في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَّبِبّيٍ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءْ وَالضَّرَّاءْ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا} ، ما هو هذا الحال؟ الحال أنّ الله -عزَّ وجلَّ- ما أرسل نبيًا لقوم إلّا ابتلاهم بالسّرّاء والضّرّاء ثمّ كان عاقبة الأمر أن فتح الله عليهم الدنيا حتى عفوْا، عفوْا حتّى كثر عندهم الخير والعطاء الإلهي. ولمّا قيل لهم هذا من الابتلاء قالوا: {قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} .
هذا حتّى عفوْا في واقعه القدري هو نفس عين ما قاله -سبحانه وتعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} ، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} .
أنتم ترون أنّ الأمر القدري في واقعه شيء واحد، ولكن لا بدّ من النظر إلى شيء آخر وهو النظر إلى الإنسان، إلى حال الإنسان ما هو من أجل أن تعرف أنّه ابتلاء أو تعرف أنّه نعمة ورفعة. ولا بدّ بعد ذلك أن تنظر إلى العاقبة كيف تعامل الناس مع هذه النعمة ومع العطاء، لكنّها في الأصل ما هي؟ مشكلة.