فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 715

عندما يعد الله -عزَّ وجلَّ- المؤمنين بالنّصر، ثمّ يجدوا أنّهم في حال هزيمة وهم أتقياء، عبّاد، ليس عندهم القدرة، ذهاب القدرة عندهم ليس بسبب الكسل بل بسبب العجز، وهم يقولون كيف يقع فينا هذا؟ كما في الآية {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} ، وقع منهم التساؤل القدري.

إذًا هذه النقطة أريد أن أنتهي منها، وهي أنّ موضوع القدر بالنسبة للعابد أمر شديد الفهم عسير، في مرّات كثيرة لا ينفع معه الفهم بل يغيب ولا يبقى إلا مقام التّسليم والتّصديق فقط.

وهذا الذي وقع من الصّحابة في صلح الحديبية، ما فُسّر بشيء، (إن الله أمرني) ، وعمر -رضي الله عنه- وهو من هو، يعني هذا عمر فدلّ على أنّ ما بعده دخل في هذا الأمر، وهذا العجز عن الفهم دخل من بعده كل من هو تال له، ولم يبق في مقام التسليم والقبول دون اعتراض إلا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر. هو يقول له:"إنّه رسول الله ولن يضيّعه الله"، خلاص، انتهى. عمر يريد أن يفهم كيف وقع هذا، الزم غرزك يا عمر!

ولذلك أقول: هناك من وقائع القدر ما لا ينفعه معها إلّا التسليم، لا تستطيع أن تفهمها، وهذا ممّا يدخل في قوله - صلى الله عليه وسلم: (إذا ذُكر القدر فأمسكوا) . هذا من نوع هذا، لا تستطيع. كما أنّك تأتي إلى الذكيّ وإلى الرجل الصّانع فلا يمكن أن يوصلك إلى ما تريد من الصنعة النهائية حتى يدمّر لك الجيد. يأخذ الورقة، ويأخذ الجلد، ويقطّعه وأنت تبكي. اصبر!

ولذلك هو القضاء والقدر. ما معنى القدر؟ القدر من التقدير، والتقدير معروف ما هو. أنت عندما تريد أن تصنع ثوبًا فأوّل شيء تقدّره وتفصّله بحسب الطلب ثمّ بعد ذلك يُقضى أمره بصناعته. أوّل شيء التقدير. وأنت لا تفهم كيف هذا الفعل يؤدي إلى هذه النتيجة. ولمّا كان الأمر أمرًا غيبيًا والله لا يعجزه شيء وأنت لا تدري كيف يقع؟ دلّني كيف سينتهي صلح الحديبية؟ أنت الآن مفهوم لديك؛ لأنّك قد رأيت الخاتمة، لكن لو أنّك لا ترى الخاتمة، وتعيش في البلاء والمحنة والضغط النفسي والابتلاء، وتقول ما أظنّ أنّ وراء هذه حكمة، خلاص تعذبّنا وانتهى الموضوع، وكان أحد الإخوة وقع قال:"وقعنا وما أحد سمّى علينا!".

لا، بل علينا أن نسلّم، والأصل هو التسليم. لماذا لا يكون هذا؟ أنا لا أدري، ولكنّي أُوقن أنّ الله -عزَّ وجلَّ- لا يوقع من الأمر في الوجود إلا ما هو منفعة للمؤمنين وعقاب للكافرين، انتهى الموضوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت