أحكام الله بالاعتراض. ولذلك يُقال: شارع مُعبَّد. أي لا مطبّات فيه، مطبّات يعني عوارض. تمشي عليه الأحكام بلا اعتراض، تمشي عليه الشرائع بلا اعتراض، فأنت عبد فالله يريد منك أن تكون عبدًا؛ لأنّ الله يحبّ ذلك، لكن كيف تحقق العبودية؟ يريد منك أن تفرح لما يفرح، وأن تكره ما يكره، وأن تقوم بما يحبّه، فإذا نظر إليك فرح أنّك تقوم بما يحبه، ولا يريد منك أن تقوم في مقام يبغضك فيه. فأعظم ما يريده منك هو أنّك إذا أذنبت ولا بدّ من قدرك أن تخطئ هو أن تستغفر!
ولذلك أنا كنت أعجب قبل أن أفهم هذا، وكلّما جئت على هذا الحديث أعجب، ويصيبني حقيقة الحيرة. وعندما يسأل -أبو بكر رضي الله تعالى عنه- رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن دعاء يريد أبو بكر، وهو أجلّ رجل في عين الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أجلّ رجل في هذه الأمة، وكأنّه يريد عبادةً خاصّة يُميّز بها في خلوته وفي صلاته، يقول:"علّمني دعاء أدعو به في صلاتي"، وهذا هو أبو بكر الذي بلغ مقام الصدّيقية والصدّيقيّة في بعض معانيها دخول العبد في كل مراتب التعّبد. من أين أتينا بهذا؟ أتينا بهذا في قوله:"يا رسول الله ما على العبد أن يُدعى من كلّ هذه الأبواب"، قال: (نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر) .
فالصدّيقيّة هو أن يُدعى العبد من كل أبواب العبادة، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (من أنفق زوجين من شيءٍ من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنّة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصّدقة دعي من باب الصّدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان) ، وجمعها من؟ جمعها أبو بكر الصدّيق. فبعد أن دخل الصدّيق في كل هذه المقامات، أراد أن يكون له البروز في شيء، وهو في ذنبه حين يستغفر هو في مقام العبد الّذي يستغفر لئلا يقع في الذنب، لا في مقام العبد الذي يستغفر بعد الوقوع في الذنب. من أين أتينا بهذا؟ في قوله تعالى في سورة التوبة: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ} تاب! أين معصية هؤلاء؟ معصيتهم أنّ الله تاب عليهم بألّا يقعوا في المعصية، فيستغفر المرء ربّه من هذا المقام، أنّ مقامه يحتمل هذه المعصية، فتاب الله عليهم. ولذلك قال: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ} فهو مقام الوقوع فيه ولكن الله حماه، فاستغفر ربّه من هذا المقام. ولذلك قال بعدها: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} ما قال ثم تاب عليهم ليتوبوا {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} .