فإذًا الأسباب الّتي نراها نحن اليوم هي للأسف معوّقة في رؤية يد الله -عزَّ وجلَّ- مع أنّها ضرورية، ولا يقع شيء إلّا بها. ولكنّ حين يتمّ الفعل يجب نسبة الفعل إلى الله وهذا هو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا قال: (وهزم الأحزاب وحده) . نحن ليس لنا دخل! نحن كنّا أواني فارغة لأقدار الله تجري فينا. ومن رحمة الله أن كنا الأواني لقدر الله الحقّ مقابل الباطل الذي يعادي الله -عزَّ وجلَّ- على تنوّع خلق الله في القدر.
السؤال: كيف نوفّق بين هذه القراءة للسنن وبين اعتمادنا على الغيب؟ هذه هي موازنة المؤمن، والّتي لا يمكن أن يجدها المرء إلّا في سيرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
هناك مسألة لم يأت لها الشيخ، والآن، أظنّ أنّ الكتاب صار واضحًا وبيّنًا لمن يقرأه بهذا السياق الذي تكلّمنا عنه، ولكن هناك مسألة جاء بها الشيخ ومرّ عليها المرور الّذي اعتاده، وهي قضيّة ارتباط الدعوة بالنبوءات.
كيف نتعامل مع النبوءة؟
الواقع أنّ مسألة النبوءة في التاريخ الإسلامي أحدثت فتنًا، والتعامل معها كان سبيل شرّ. عندما يقاتل يقول نحن، وعندما يُقاتل يقول نحن الّذين ينطبق علينا هذا الحديث، وهكذا! ولكن ما هو الحقّ في هذه المسألة؟
يعني عندما يأتي واحد يقول أنا المهديّ! وقضيّة المهدوية هي أكثر مسألة في التاريخ الإسلامي أحدثت فتنًا ودماءً، وهي قضيّة من قضايا الغيب. فهل نلغي النبوءات من أجل هذه التصرّفات الشائنة؟ أم أنّ النبوءات لها دور في قراءة الواقع؟ وثانيًا هل النبوءات تُقرأ في الواقع من أجل تحقيق الشرع أم أنّها تعارض الشرع؟ يعني هل النبوءات في باب من الأبواب تصلح تخصيصًا للحكم الشرعي العام؟ ومثال ذلك أنّ الناس يعرفون أنّ الاستعانة بالكفار لا تجوز إلّا في الاضطرار، ومذكورة في كتب الفقه وتُعرف بالأحكام وطريقة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والأحكام الشرعية وكلام الفقهاء.
فهل حين يأتي الفقيه أو النّاظر أو الباحث أو المجتهد فيقرأ نبوءةً ما، هل له أن يجعلها خاصّة في قراءة الحكم الشرعي؟
نرجع إلى السؤال الأوّل؛ لأنّه سيجيبنا على هذه القضيّة، وهي قضيّة: هل النبوءات يجوز لنا أن نستخدمها؟ الجواب: نعم، ولكن لا يجوز لأحد أن يستخدمها كما يستخدم الآخر النصوص في التأويل ويتلعّب بها. يعني النبوءة نص نبويّ صادق، هل يجوز أن نستخدمها؟ الجواب نعم. لكن ما الخطأ في الأمر عبر التاريخ؟ هو أنّ النّاس أنزلوا هذه النصوص على غير موضعها، تأويلًا لها، تلعّبًا بها.