فإذًا من الخطأ أن تقرأ النبوءة من أجل أن تعمل بها، والصواب أن تقرأ الواقع والشرع لتعمل به، فقد تصيبك النبوءة وقد لا تصيبك، قد تكون أنت وقد لا تكون أنت.
عبد الله بن حنظلة الغسّيل ماذا فعل في موقعة الحرّة؟ لمّا جاء مسلم بن عقبة إلى المدينة في الحادثة المشؤومة الشهيرة، فذهب من أجل أن يدافع عن المدينة كما دافع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الخندق. فحفر الخندق ليمنع جيش الشام من دخول المدينة فانهزم! أين الخطأ؟ لماذا لم تتكرّر؟ لأنّ التاريخ ليس وجهًا واحدًا، التاريخ فيه معطيات جديدة، فيه واقع جديد، وهكذا.
وهذه نبّهت عليها في قضية مسيرة الدعوة، بأنّه لا يجوز لأحد أن يمشي على السيرة مشي السيرة كما وردت في كل ظروفها. يريد أولًا أن يبدأ سريّة، ثمّ جهريّة، ثم دعوة، ثم يهاجر! هذه قراءة باطلة للسيرة.
لأنّ السيرة تتعامل مع الواقع، فأنت اطلب من الواقع قراءة صحيحة ثم ابحث عن السيرة الّتي تعاملت معه في أيّ ظرف، قد يكون في الابتداء، قد يكون في الوسط، قد يكون في الانتهاء.
ومع ذلك فإنّ المسائل القدرية في معالجة وقائع الحياة، النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُجز لنا اتباعه فيها. كيف؟ لمّا تدخّل في قضيّة تأبير النخل ماذا قال؟ يعني كيف أنت تقاتل بسيف ورمح وكذا، وضع قاعدةً عامّة (ألا إنّ القوة الرمي) ، لكن هذا مفهوم الرأي بحسب واقع الناس وأحداثهم.
فالأمور الدنيوية خاصة بالنّاس، والأمور الدنيوية عن الواقع كيف نقرؤه؟ وبعد ذلك كيف نقرأ الواقع هو الذي يحكم علينا قراءة الشرع بعد ذلك.
إذًا قضيّة النبوءات من أخطر ما يعتري الدعوة، وهو أن نقرأ الواقع بحسب النبوءة قراءة صحيحة وسليمة.
إذًا هل المطلوب هو أن نطبّق النبوءة أم نطبّق الشرع؟ نطبّق الشرع، قد تقع النبوءة عليك وقد لا تقع عليك.
هذه مهمّة جدًا: الشرع هو المقدم، والنبوءة هي إشارة على الصواب. وأفضل ما استدلّ به الشيخ رفاعي سرور في هذا الباب، وهو أنّه استدلّ بقوله - صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليفعل) . أنت ما يهمّك النتائج، المهم أن تستجيب لأمر الله. لأنّ استفادتك أو عدمها هذا موضوع ثان، لكن أنت حقّقت الأمر الإلهي في قضيّة إعمار الأرض.