أولًا: هو التوحيد، ونحن قلنا: موافقة الشرع للقدر، التوحيد يعني عبادة الله، يعني امتثال أمر الله، {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ} كفار مشركون تعبدون غير الله {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} .
العماد الثاني والركن الثاني من أركان الشخصية المسلمة هو: الاتباع، لماذا؟ لأن الإنسان مفطور على الدخول في الصورة؛ أنت عندما ترى الصغير من بداية أمره وهو يقلّد والده، إذا والده تحرَّك هكذا أو تكلم، لأنه مفطور على التقليد، مفطور على الدخول في الصورة، لأنه يبحث عن صورة يريد أن يدخل فيها. وأنتم عندما تدخلون بيوت أبناء بعض الناس فتجد صورة الممثل وتجد صورة المغني وتجد صورة لاعب كرة القدم، هذا أمرٌ فطريٌّ لكنه صُرف في غير مجاله الصحيح، فالإنسان من طفولته إلى يوم وفاته وهو في ذهنه صورة يريد أن يدخل إليها، صورة نموذجية هي التي سميناها"المثال"، يريد أن يعيشها، يتنفس مثلها، يحكي حكايتها.
ونحن عندنا هذه الصورة قد ملأها الشرع، حتى وهو يتعامل مع أعظم شخصية في الوجود وهي شخصية الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أوقف له مرايا أمامه، هم الأنبياء وقال له: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} ، قال له: {اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} ، نَسَب الملة إليه مع أنها هي التوحيد، ولكن نسب الملة إلى رجل لأن الفطرة تقوم على هذا، فنحن نريد أن نصنع المثال. وأنت تقرأ لا تكفي الكلمة، الكلمة هذه قد تصنع شيئًا كثيرًا من الحق، لكنها لوحدها لا يمكن أن تصنع التوازن، ولا يمكن أن تصنع دَفْق الإرادة لوحدها، ولا يمكن أن تدفع أنت عنك نوازع الشيطان إلا بوجود المثال، فعلها أبو بكر فنفعلها مثله، وهكذا.
فحينئذٍ لا يوجد هناك جانب من جوانب في الحياة إلا وقد امتلأ إسلاميًا في مرآة بصورة تستطيع الدخول فيها، من هنا تبيَّن ضرورة المثال، لأن المثال هو إملاء لحاجة الفطرة الإنسانية التي هي الاتباع، ولهذا (محمد رسول الله) هي من أجل إملاء هذه الفطرة، (لا إله إلا الله) هي التوحيد، الانخلاع القلبي من كل توكل من كل طاعة، أنت تصبح موحدًا خارجًا عن سيطرة الأصنام والأوثان، وبعد ذلك أنت في حياتك لا بد من صورة تعيشها سلوكًا وعملًا، فتبدأ تتشكّل لك الصورة من خلال الشخوص المهتدية.
ولذلك هنا استدراك يسير -ليس من قبيل التخطئة-، إن الصحابة لم يصنعهم القرآن فقط ولكن صنعهم المثال كذلك، ما قاله سيد -رحمه الله- في (المعالم) ، قال:"جيل قرآني فريد"، لم يصنعه فقط القرآن ولكن صنعه مع القرآن المثال، وهي الشخصية النبوية العظيمة التي أَسَرتْهُم، وكان هؤلاء الصحابة على درجات، فهناك من الصحابة الصغار من امتلأت مخيلتهم بالصحابة