تحتاري ما أنا فيه أو الحياة الدنيا، إذًا كلمة الحياة الدنيا كلمة نسبية ليس لها معيار واحد، لكن لو رأيت المجتمع المدني، والإنسان مطلقًا لا يمكن أن يطلب شيئًا غير حاضر، تجده يقول: أريد أن أتنعَّم مثل فلان. فالصحابيات في بيوتهن شيء وبيت النبي ليس فيه هذا الشيء، فنساء النبي يطمعن أن يكون في بيوتهن ما يقارب بيوت الصحابيات، لا أن يطوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كل بيوته ويسأل عندكم طعام فيكون الرد: لا عندنا إلا الماء.
(ولقد أتت علي ثلاث من بين يوم وليلة وما لي طعام إلا ما واراه إبط بلال) الطعام المقصود به التمر أو الخبز، لو وُضع تحت إبطه لملأ جوف إبطه، ونتكلم عن رجل نحيف لإبطه جوف، فلو وُضع الطعام الذي أكلوه في ثلاثة أيام في جوف إبط بلال لكان التجويف في إبط بلال يسع أكثر مما وُضع فيه.
ومع ذلك جاء التعليق: إذا أردتُنَّ الحياة الدنيا وزينتها، مثل الآخر، الحديث عن البيت الآخر هو حديث قطعًا متواضع. هذا أولًا يعرِّفنا -ولا نريد أن نطرق هذا الباب لأنه صار يقينيًا في نفس كل مسلم- أن فضل نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينتهي، وأينما طرقت هذا الباب لا تجد إلا روعة وعظمة وجلالًا وكمالًا.
ولكن بعض الناس لتعوِّدهم شمّ الباطل إذا وُضع عليهم الطيب ماتوا، فهذا الرافضي الذي لا يعرف إلا القذارة ولا يسمع إلا السفالة فلو سِيق له حديث في فضل أمهات المؤمنين، وأعظمهن في حياته - صلى الله عليه وسلم - عائشة، لو سيق له حديث في فضلها لمات!، لكننا نتحدث بأن البناء القرآني لبيت النبوة هو بناء الكمال، وأن على الداعي أن يهتم في بنائه الداخلي اهتمامًا تامًّا.
وأنا دائمًا أذكر في سورة القصص لما قال الله -عز وجل-: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} كان أول أمر أصدره الله بعد هذه المقدمة التي بَنَت قَدَر موسى مع فرعون في إزالة ملكه ونصر الله له ولبني إسرائيل قال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} إياك أن تتنازل في موضوع بناء أسرتك، إياك أن تتنازل في موضوع أن تكون المرأة التي بجانبك على قدر المهمة التي رَصَدْتَ نفسك لها، وإلا بعد ذلك لا بد يومًا من الأيام أن تهلك وتضعف وأن تؤثِّر في اختياراتك، وأن تؤثر في عملك وتؤثر فيما رصدت نفسك له، هذا أمر لا تنازُل فيه، فإذا رجعت من شأنك وكما قال الله -عز وجل-: {إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} فأنت تسبح في الناس في الدعوة والتعليم وشأن الصبر، ثم تعود إلى بيتك فلا تجد إلا النكد ولا تجد إلا صورة مماثلة