وأنا أنبه على قضية مهمة، أن الذين كتبوا هذا التاريخ كانوا يُحسنون الظن بهذه الأمة؛ وأنا أضرب مثالًا؛ يظن بعض الناس أن العرب لا تُنقِّط الكلام وإنما التنقيط في أصوله هو أمرٌ طارئ على اللغة العربية، وهذا خطأ، الصواب أن الحروف العربية منقَّطة في أصولها، لكن السؤال لماذا لم يكونوا ينقطون الحروف المعجمة ويُبقون المهملة؟ السبب لأنهم كانوا لا يتصوَّرون أن يأتي غبي فيخلط بين المعجم والمهمل!. والحال لو أنك جئت لمهندس وأردت أن تشرح له خارطة بيت، وهو مهندس خبير له عمر في البناء وقراءة الخرائط، وأرسلت له رسالة فيها مخطَّط بيت، وجعلت تشرح له كل خط فيها ما هو، ما معنى هذا الكلام؟ أنك تحتقره! سيقول هذا الرجل يحتقرني لأنه يفصِّل ما هو معلوم لدي، أرسلها أنا أفهمها!
لذلك حين تعامل العالم تعامله أنه يعرف الكلمات ويعرف المدلولات، وأنت تتصور أن عربيًا قديمًا تضع له التنوين والإعراب وإشارة الجر والنصب والرفع، يقول لك الرجل: واضح أنه يعاملني كأعجمي لا يعرف من العربية شيئًا!.
فمشكلة علمائنا الأقدمين أنهم كانوا يُحسنون الظن بالأمة وبمن كتبوا لهم الكتب، وقد أحسنوا وتعاملوا مع زمانهم تعاملًا لائقًا، لكنهم لم يعرفوا أنها ستصل إلينا، وسنحتاج أن نتعلم أن نضع النقاط، والإشارات وبعد الإشارة الشرح في الأسفل، وبعد الشرح نحتاج لمزيد شرح وبيان ووضع ضوابط جديدة!، حتى أننا الآن نلوّن المصاحف، هذا إخفاء وهذا إظهار، يعني زدنا على الشرح شرحًا لأن هذا مستوانا.
فعلماؤنا كانوا يضعون الكتب ويتركون ألغازها، ومهمات استكشافها للعلماء، ولكنها صارت إلينا فصارت المسألة عندنا الآن لأننا لم نفهم مرادهم ادَّعينا جهلهم للأسف!.
الآن أذكر لكم مثالًا، نحن الآن نبرّئ الإمام الطبري في تاريخه، نحمل عبارته في أول الكتاب على أنه: هكذا وصلتني الأخبار، فكما يُقال: العهدة على الراوي، لكن هو يتعامل مع علماء ينظرون في الأسانيد فيعرفون الرجال، ويعرفون الأخيار ويعرفون كيف يحكمون على الخبر قبولًا وردًّا، كما فعل ابن خلدون، ابن خلدون لما كتب التاريخ ووضع مقدمته ووضع ضوابط في نقد المتن غير ضوابط المحدِّثين في ضبط ونقد السند، فهو يتعامل مع علماء يعرفونها لكنها صارت إلينا، أولًا حتى ما هو ضابطٌ جليٌّ من ضبط السند أصبحت الأمة لا تعرفها، وحين يشرحها الطلبة يشرحونها بالطريقة التي تعرفونها، وأما نقد المتن فصار عيبًا في المدارس المعاصرة يفعله البعض على جهة الإفراط في نقد متن بلا ضوابط علمية، أو أنهم يُحرِّمون كليًا نقد المتن، وليست هذه من طرائق العلماء في شيء.