لذلك أن تُحدث هذه الشخصية هذه الآثار المهمة في أمتنا، علمًا وفقهًا وعقلًا وأن تكون على مثل هذا، فهذه ليست بالشخصية التي تُبحث بحثًا عاديًا، لا بد أن نَلِج إليها. لذلك استوقفتني كلمة سعيد الأفغاني يجب أن توضع ويجب أن نتعلمها، وسعيد الأفغاني هو أحد أساتذة اللغة العربية الكبار في هذا العصر لكن حصل ما حصل أنه تفرّغ للجامعات وغير ذلك، ولكن كتبه تدل على عِظم هذا الرجل وعلمه.
قال سعيد الأفغاني عنها:"شخصية أو امرأة طُلْعَة"، وهو الذي يسمى هذا الزمان بـ"حب الاستطلاع"، وهذه القضية هي قاعدة العلم، أن يكون المرء بحّاثًا متقفِّرًا سائلًا مدقِّقًا، يحب أن يخوض في كل شيء وأن يستوعب كل شيء، هذه قاعدة العلم. ولذلك مما يُذكر بأن الطفل إذا أعطيته اللعبة وجئت له بعد شهر ووجدتها كما هي لم تُكسَّر فاعلم أنه غبي، لا بد أن تأتي إليه بعد مدة وقد كسَّرها لأنه يريد أن يعرف ما بداخلها، فأنت تراه مخرِّبًا وهو في الحقيقة مستطلع ومتعلم.
وأحيانًا أنا أعجب من مفارقات التَّربويين، استوقفتني كلمة في التربية كتاب (حياتي في الفن) ، والكتاب كبير لكن استفدت منه في ثلاثة أو أربعة مواطن، يتحدث عن بنت -وهم يعتبرون هذا من الفنون العظيمة ونحن نعتبره من المفاسد العظيمة في الحقيقة-، وعلى الذكر حتى أرسطو قديمًا كان يعتبر أن الفنون لا أهمية لها في بناء الحضارات، وهذه حقيقة أن الفنون مُفسِدة ومدمِّرة للحضارات، بل إن من أسباب خراب ودمار الحضارة الإسلامية في الأندلس هو انتشار ما يسمونه"رقيًا إنسانيًا"، ولذلك الأهرامات هذه التي يمدحونها أنها تراث إنساني هي في الحقيقة جريمة إنسانية؛ لأنهم يغفلون كم مات فيها من عشرات الآلاف لبناء حجارة، ماذا استفاد منها الوجود؟ لكن لا بأس أن يموت مئات الآلاف ليقول الناس: كان هناك ملك عظيم بنى هذه الحجارة!، الناس مفاهيمهم في القيم مقلوبة.
فهو يتحدث عن بنت، يقول سلافسكي كان هناك مدرب للباليه، وكان هناك بنت يُطمع أن تكون مميزة فيه، باعتباره فنًا راقيًا في مجتمعاتهم، العائلات الكبيرة تُرسل بناتها لتعلُّمه ويفرحون كما يفرح العرب بالشاعر إذا ظهر رجل صاحب موهبة في هذا، فيقول هذا الكاتب المسرحي:"كنت أعجب لهذا المربي وقد رأى البنت في وسط حديقة البيت وقد استغرقت في اللعب يأخذها في هذا الوقت من الاستغراق ليُجبرها على التعلم والتدرب"، فهو سأل هذا الأستاذ فقال:"حتى تقوى عندها إرادة العمل"، حتى أعلمه كيف ينتشل نفسه من أقوى المحبوبات لديه ليؤدي الواجب، وهو مستغرق في لعبه ولهوه وأنت تأخذه من أجل أن يتدرَّب لتصبح لديه الإرادة في أن يُقبل نحو الواجب الملقى عليه وهو في أشد حالاته، وهذه نحن نمارسها في الصلاة،