فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 715

به. أولًا: أن نصيغ شخصية المسلم في نفسيَّته قبل أن نصيغ شخصية المسلم في علومه، وما حاولته في كل كتبي التي كتبتها في سجني خاصة، وهو الاهتمام بالجانب النفسي في صياغة شخصية المسلمين، نحن مشكلتنا اليوم ليست في العلوم، وأنا أقول لكم: إن أجبن الناس يستطيع أن يجد في الإسلام ما يجعل الإسلام جبانًا أو قريبًا من الجبان، والبخيل يصنع كذلك إسلامًا بخيلًا، وأنا دائمًا أقول: العجيب أن الذي يجاهد يقول دائمًا:"قال ابن تيمية"، والذي يوالي الحكام ويناصرهم ويكون حذاءً لهم يقول:"قال ابن تيمية"، والذي يدخل البرلمانات يقول:"قال ابن تيمية"، والذي يكفّر الذي يدخل البرلمانات يقول:"قال ابن تيمية"، كلهم يقولون:"قال ابن تيمية"!.

إذًا أين المشكلة؟ المشكلة كيف يتلقَّى الناس العلوم، وأنا أقول دائمًا: إن الفكرة الواحدة تتغيَّر إذا تغيَّرت بيئتها، والدليل أنك تضع العصا في الماء، فتنظر إلى العصا فتراها أنها مكسورة، لماذا تغيرت صورة العصا؟ لأن كثافة الماء تختلف عن كثافة الهواء؛ وهكذا الأفكار تكون عندك على شكل تنقلها من خلال البيان لشخص آخر، هذه الأفكار تنكسر إذا لم تكن النفسية واحدة، إذا لم تكن كثافة النفس في التلقي واحدة.

وهذا أهم شيء في القراءة ومن هنا ينشأ فساد القراءة الانتقائية، لماذا القراءة لا تُنشئ حالة واحدة مع أنها قد تكون ضارة فتنشئ ضررًا أو مهديَّة فتنشئ هداية؟ السبب هو وجود قراءة انتقائية.

ما هي أُسس القراءة الانتقائية؟ أنك تقرأ كلامًا طويلًا فلا يعلق في ذهنك إلا ما تحب ويلائم نفسيَّتك، وأما ما أتى من المعارف والمعالم على خلاف ما تحب نفسيتك إما أن تنساه وتضع يدك عليه مُبعدًا له عن عينيك وإما أن تبدأ بتأويله. هذه هي مفاسد القراءة الانتقائية، والدليل أنك مثلًا تريد فكرة ما، يعني لو تقرأ لابن تيمية وكنت مرجئًا ستبحث عن كلمة فيها شيء قريب من هذا المعنى، لو كنت مكفّرًا مُغاليًا فأنت لا تلتفت لكلام الآخر تؤوِّله أو لا تهتم له، حتى تجد الكلمة التي تبحث عنها. فهو يقرأ الأخبار فلا يهتم إلا بالخبر الذي يلائم نفسيته، هذه قراءة انتقائية فاسدة جاهلة. المطلوب هو القراءة الشاملة.

ولذلك نحن نعلم أن الصحابة لهم النفسية التي تلائم الحق الذي نزل عليها فالتقت كثافة الحق في النص مع كثافة الحق في النفس فلم يحصل الانكسار، ثم تغيَّرت الكثافة بعدهم، النص بقي على كثافة الحق الذي فيه ولكن تغيَّرت كثافة النفس فحصل الانكسار، النصوص صارت مقلوبة، هذا الذي يُنشئ التأويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت