وهذه إحدى صور القراءة المتهافتة الفاسدة، وهي بجانب من الجواب هي القراءة الانتقائية. ولذلك من أهم ما ينبغي أن نفهمه في قراءتنا وتعلُّمنا لحالة الصحابة ولحالة العلماء أن نقرأ نفسيَّتهم، كيف يمكن إدراك نفسية العلماء؟ بالنظر إليهم وإلى اختياراتهم، أنت تجد العلماء في نفوسهم وفي أصل تربيتهم وفي نزعتهم يحبُّون الجلاء والوضوح، لا يحبون التَّعمية، تجد في نفوسهم محبة الحق، تجد في نفوسهم الاستعداد، ودفع الماديات مقابل الأفكار والحِكَم، هذه قضية كامنة في نفس العالم، هذه قضية مهمة جدًا في نفس العالم، أنه مستعد أن يدفع المال ويدفع الوقت ويتخلَّى عن كل زهرات الدنيا مقابل أن يتعلَّم حكمة، ومن هنا نشأت الرحلة في طلب الحديث، نشأ عند علمائنا محبة الفقر مقابل العلم أن يُنسب إلى العلم.
قيل للفقر أين أنت مقيمُ؟ ... قال في عمائم العلماءِ ...
إنَّ بيني وبينهم لإخاءً ... وعزيزٌ عليَّ ترك الإخاءِ
واليوم إما أن الفقر تغيَّر وإما أن العلماء تغيَّروا!
ولذلك طريقتنا في قراءتنا لتاريخنا وفي قراءتنا التي تصنع لنا شخصية مسلمة مهتدية متوازنة وشخصية عاملة؛ لأن العلم في ديننا ليس إنتاجًا علميًا بل هو تربية إرادة، يُنشئ الفعل والإقدام واختيار المكارم والمحاسن، هذا هو العلم. علينا أن نهتم بالتربية النفسية، لا التربية النفسية التي يقولها الخصوم، لكن نقصد بها المفهوم الفطري وذلك بأن نقوِّم اختيارات أبناءنا ونفوسنا على المعالم الصحيحة، على قبول الحق، نقوِّمها على الصدق، نقوِّمها على أن الأمور لا تأتي إلا بجهاد، على أن الإرادة هي الإنسان، علينا أن نُميت الكسل، علينا أن نُميت التسويف.
شخصية أمنا عائشة -رضي الله عنها- هي مثال لنا في هذا الباب، ومن أهم ما ينبغي أن نعلمه أنَّ على العالم والقائد الكبير في تاريخ أمته أن يعرف قيمته، وأي إذهاب لهذا المعنى من نفس العالم والقائد والمربي يعني التواضع البارد، كما يوجد ورع بارد فهناك تواضع بارد!
فعائشة -رضي الله عنها- كانت تعلم قيمتها، وهذا جواب على سؤال بعض الإخوة: لماذا كانت تُشدِّد مرات في جوابها وفي استدراكها على المخالف؟ لأنها تعلم قيمتها في سلسلة حلقات الحق في زمانها.