المنوال، الذين لا يتَّبعون الهوى بل يقولون كلمة الحق ولو كان في ذلك ضياع لمصالحهم، عليه أن يتربى على هذا ويُكثر منه، هذا ما يتعلق في البناء النفسي والبناء العلمي في هذا الجانب.
الجانب الآخر هو الجانب العلمي الصِّرف، عليه أن يتعلم ما هي القواعد التي بها يُحكم على الحقائق، عليه أن يتعلم ما هي الأصول التي يميّز بها الحق عن الباطل، وكل علم له قواعده.
وأعظم ما يدمِّر هذا هو التقليد، الذي يقول لك:"لا تقرأ"فاعلم أنه يريد أن يتَّخذك حذاءً لقدمه، -أعلم أنها كلمة غليظة لكني أصف الحقيقة-، الذي يقول لك لا تقرأ هو يريد أن يتخذك عبدًا لهواه ومطيَّة لشهوته. اقرأ، إيَّاك أن تحكم على أحد من خلال حكم آخر، إلا إذا خرج ذلك الحاكم إلى درجة كونه مقبولًا دون وجود المعارِض، يعني عندما تقول عن البخاري قال عن فلان منكر الحديث، فأنت يجوز لك أن تخالفه إذا وُجد المعارض، لكن إذا غابت عنك المادة العلمية التي تحكم على هذا المحدِّث بها تقبل منه، وإلا يمكن أن تخالفه وذلك بسلوك الطريق الذي سلكه البخاري في الحكم عليه، ما هي الطريقة التي جعلت البخاري يحكم على تابعي بأنه منكر الحديث؟ جمع أحاديث هذا العالم وقارنها مع أحاديث الثقات، فوجد له ألفاظ منكرة فحكم عليه بأنه منكر الحديث، إذًا هو سلك سبيلًا علميًا.
لكن عندما تغيب عنك المادة العلمية، وعندما يغيب عنك المخالف أنت تُسلِّم له، لا على سبيل التقليد ولكن على جهة عدم وجود المعارض له، والعلوم هكذا.
فعليك أولًا أن تفتح ذهنك، ووالله إن المرء ليستفيد أحيانًا من خصوم الحق في تقوية الحق أكثر مما يستفيد في الذين يتكلمون الحق مادحين إياه؛ لأنها بضدها تتميز الأشياء، ولا تخافوا من وصف: أنت ضعيف وأنت كذا، إذا كنت ضعيفًا تستطيع أن تسأل غيرك، وإذا كنت قد بُنيت على حقانية الدين فربما يأتي سؤال لا تفهمه فهذا السؤال يُنشئ سؤالًا وقراءة تنشئ قراءة.
لماذا صار هناك متخصصون في الرد على النصرانية؟ تجد أن أغلبهم على هذا الباب، سمعوا نصرانيًا يتكلم في الإسلام فذهب ليقرأ، بعد ذلك أصبح إمامًا معروفًا مشهورًا في الرد، وهذا الذي أنشأ الشيخ أحمد ديدات -رحمه الله-.