وحتّى التاريخ يُزوّر إرضاءً للضلال، والفساد، والكذب، والدجل.
يكفي هذا ابتداءً لأبدأ معكم في قضية مهمة جدًا. انتهينا من هذه القراءة وهي نصيحة عامة نستطيع أن نضعها في فنّ القراءة، وهي نصيحة لكم حتّى تهتموا بأوقاتكم وتبحثوا عن القراءة النافعة لكم في مسائل العلوم وفي مسائل التاريخ المعاصر.
الآن نأتي إلى نقطة تتعلق بهذا الكتاب (نذر العولمة) .
أول قضية من لم يفهمها لا يستطيع أن يشتغل ولا يعمل، ونحن حين نقرأ إنّما نقرأ لنتعبد، لنتقرب إلى الله ولندرك حكمة الوجود ونرى يد الله النافذة في الكون والمحركة لكل شيء بحكمة وعدل ورحمة. وكذلك من أقسام التعبد الذي يعنينا وهو أن نتعلم لنغيّر، لنعرف سنن الوجود. نحن نعلم أن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- كانوا عقلاء، وهم إناء الخير، فلا يمكن لهذا الإناء أن يُفعّل الخير الذي هو فيه إلا بعقل سديد، فلا بدّ من العقل السديد، هذا العقل السديد ليس إنتاجًا ذاتيًا وإنّما هو معرفة، هذه المعرفة كانت متاحة لدى الصحابة بحسب أدواتها ووسائلها في عصرهم، وبالتالي نحن عندما نقرأ نريد أن نغيّر. ولا يمكن أن نغير دون أن ندرك ما هو الواقع، ما هي أدوات الصراع، لا بد أن نعرف خصومنا.
القرآن يكشف هذه القضية: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ} ، يفصلها لماذا؟ {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ} . فلا يُعرف الشيء إلا بضدّه، وكلّما كان الضدّ مميّزًا كان ما يقابله مميّزًا -هذه انتهينا منها-. متى يظهر الشيطان ويغضب؟ عندما يكون الحق قوّيًا، ومتى يظهر الباطل بكلّ أفقه وبكل قوته؟ عندما يكون الحقّ قويًا. فلو أن الحقّ تنازل عن بعض حقّه؛ فالباطل كذلك يتنازل عن هذا الباطل الذي لديه، ومن هنا من مهمة الدعاة إلى الله ومهمة العلماء كشف الواقع، وكشف الواقع لا يكون فقط بالكتابة، ولا يكون بالكلمة، ولكن حين نفهم هذه السنّة التي تقدمت وهو أنّه كلما علا صوت الحقّ قابله ظهور الباطل، فكان ينبغي على الحقّ أن يفرض نفسه بأساليب متعددة من أجل أن يُظهر الباطلُ نفسَه ويخرج من جحره إلى الظهور والبيان والوضوح.
هذه نقطة مهمّة وأنا الآن سآتي إليها.
أقول: كشفُ الباطل لا يكون فقط بالطّريقة الّتي يظنّها البعض بأن نتكلم عنه، دورة من أجل أن نكشف الدور الأمريكي في القضية الفلسطينية، ثم ماذا بعد؟! دورة من أجل أن نبيّن اللعبة الاقتصادية التي تُدار حولنا، جزاك الله خيرًا، ثمّ ماذا بعد؟! هذا دور مهم، لكن الدور الأعظم هو تجلية الحق واظهاره، ونحن قلنا أنها القاعدة الأولى وقد أظهرتها السنة النبوية، متى ظهر الشيطان إلى عالم التّأنّس والظهور؟ عندما كانت شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بكل الحقّ الذي تحمله قد تألّقت وظهرت؛ فالشيطان اشتدّ