فإذًا الدولة دخلت في هذا النظام وصارت تعطي أوراقًا مثلهم، وسحبت أوراق الربويين وأعطت مقابلها الذهب للربويين وأخذتهم وأصدرت بدلًا عنها ورقًا جديدًا وبهذا انتشر الورق النقدي. هذه الدولة ليس لها ضابط.
طبعًا الذهب قديمًا الذي تتعامل به الشعوب حتى الطاغوت دخل فيه وأزال بسبب فسادِه معياريَّتَهُ. صارت كل دولة لها دار ضرب، تُسمى في العربي دار الضرب -أي التي تطبع الذهب والفضة-، فيأتي الحاكم حتى يكتسب قوة أكثر يخرج ذهبًا مغشوشًا، الدينار الخاص به يكون مغشوشًا، يضع فيه أربعين في المائة أو خمسين في المائة من النحاس فيأمر ويجبر كل تاجر وكل إنسان دخل بلاده أن يستبدل الذهب الذي جاء به من الخارج نقيًّا بالذهب الذي يعطيه إيّاه، فيخرج وقد أعطاه نصف الذهب فقط! يعني حتى الذهب تلاعبوا به. الإنسان شرير وصراع الحق مع الباطل لا ينتهي، وهذا للأسف موجود في العالم.
وللأسف في تاريخ أمتنا أيضا موجود، وأكثر من فعلها مماليك مصر، كانوا من أفسد الناس في هذا الباب، ويجبرون الناس، ممنوع البيع والشراء في داخل القطر إلا بالذهب الذي يخرجونه، فيضطر الرجل ليبدل الذهب الذي معه بالذهب الخاص بهم حتى تتمّ اللعبة وتبقى وتستمر.
هذا البنكنوت -أي الورق النقدي- في العالم قلنا أنه كان من فساده أن انتشر النقد أكثر من الذهب والفضة. وهذه نقطة أرجو أن تنتبهوا لها، من أين اكتسب الذهب والفضة معياريتهما؟ من فطرة الخلق الإلهي. البشرية كلها مجمعة على الذهب والفضة، فدلّ على أن الذهب والفضة فيهما معيارية النقد في الوجود بوضع الخلق الإلهي.
الله خلق الوجود متناسبًا، والإنسان يدمّره. كيف؟ الفيلة في العالم ضرورة، فيذهب ويقتلها. وقد نهى رسول الله عن قتل الأمم، فقد كان أمر بقتل الكلاب ثم نهى عنه، وعلّل المنع بأنها أمّة من الأمم. يعني أن الوضع القدري في الوجود متوازن، يأمرك بقتل الأفعى لكن لا تستطيع أن تقتلها كلّها؛ فإنك لو أفنيت أمّة من الأمم لاختلّ التوازن في الوجود، إفناء أمّة من الأمم يصنع الاضطراب في الوجود، والاضطراب ممنوع، يجب أن يكون الكون متوازنًا. ولَمَّا تذهب تقضي على الفيلة في العالم يصير اختلال في الوجود، مثل الذي أتى ب"الزقير"ووضعه في داخل المطار حتى يطرد الحمام. وفي بلاد قضوا على الحشرات الزواحف فنتجت مصيبة أخرى بدلًا منها؛ فالعالم متوازن والقضاء على أمة من الأمم يصنع الاضطراب.
فالله -عزَّ وجلَّ- لمّا وضع فطرة الذهب والفضة معيارًا نقديًا في العالم؛ أوجد التوازن، والعالم لا يصير فيه اضطرابات. من أجل ذلك -وهذا يتكلم عنه يحي زلوم- منع الشارع اتّخاذ الذهب والفضة تجارةً وبضاعة؛ لأنّ المعيار سيكون متقلبًا يطلع