المعلومات ثقافة القراءة ثقافة، العرب لماذا سمّوا هذه المعارف ثقافة؟ قال: لأنّها تثقّف -من يثقّف الرمح أي يدبّبه يصنعه يزيل عنه الشوائب والمشاكل ويجعله حادًّا قدارًا على أداء مهمّاته فثُقّف- فإذا الثقافة في أمتنا هي أثر قيميّ، أثر أخلاقي ليس مجرّد معلومة.
يعني البحث يجب أن يدور أنّ أمّة من الأمم حين تصنع مصطلحًا، فهذا المصطلح إنّما من خلاله ندرس ما هي القيم الّتي تحكم هذا المجتمع الذي أنشأ هذا المصطلح، يعني كلمة العقل هو عند الغرب Mind، وهو التذكّر Remind يتذكّر مأخوذة من التذكرّ، لكن أنظر كلمة العقل عندنا ما هو أصلها؟ هو النظر إلى نشاط هذا الجزء من الإنسان أنّها للتذكرّ، لكن حين تقرأ كلمة العقل في الثقافة الإسلامية تجدها مشتقّة من العقل، والعقل من عقل الدابة يعني ربطها، فأصل العقل هو الربط، إذًا ما معنى العقل؟ هو الذي يضبط السلوك الإنساني من أن يزلّ، حتّى النّاس اليوم عندما يرون إنسانًا خلوقًا يقولون: عاقل، ويقابله عندنا كلمة جاهل، رغم أنّ الجهل يتعلّق بالعلم والمعرفة وعدمها، لكن الناس طوّروا الجهل لأن يكون سلوكًا والعلم لأن يكون سلوكًا وليس مجرد حالة ذهنية، ولكنّها حالة سلوكية، انتبهوا كيف تدلّ اشتقاقات الاصطلاحات في أمّة من الأمم على مقدار وعيها ومقدار القيم الّتي تحكمها، من أعظم؟
من أعظم؟ أمّة ترى فقط في هذه الآلة الغريزة أنّها مجرّد تذكرّ، أم أنّها تراها عقلًا وضبطًا لسلوكها وحياتها، من أكثر وعيًا؟ عندما يرون أنّ الحضارة أُخذت من Culture، وترى أنّ أساس كلمة Culture هي الزراعة، الثانية هي الحضارة Civilazation ونحن نرى الحضارة الّذين قالوا بالحضارة إنّما أُخذت بالحضور والشهود، الأمّة نحكم على قيمها من خلال اشتقاقاتها لمصطلحاتها، ما معنى الحضارة؟ أن تكون حاضرًا لا تغيب والحضور يعني الشهود وهذا كلّه واضح من مهمّة هذه الأمّة بين الأمم والوجود {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} ، فإذًا الحضارة بالمفهوم الإسلامي هي الشهود على العالم، يجب أن تكون قيّما عليه وسيّدًا له، يجب أن تكون كلمتك هي النافذة فيه.
فالّذين جعلوا هذه الكلمة مشتقة من الحضور هم أعظم من الّذين جعلوها مجرّد مدنية مجرد مدينة من المدن، مجرّد شيء من الأشياء زراعة من الزراعات، أو نشاط إنساني ما يتعلّق بأكله وشربه ولبسه. فاشتقاق المصطلح دلّنا على قيمة هذه الأمّة الّتي اشتقت هذا المصطلح، قريبًا من هذا المعنى وأشار إليه بأنّ الحضارة لا بدّ لها من شروطها وهو الحضور إلى العالم، هذا إذًا مهمّ.