وهبوطها ليس متعلّقا فقط بقيمها، له تعلق بها ولكن له تعلّق كذلك فوق القيم له تعلّق بالمادة، يعني يمكن لأمّة من الأمم أن تُجتاح وتهلك لعدم وجود قوّة، ما ذكره القرءان عن أهل الأخدود، بم هلك أهل الأخدود؟ هل بقلّة إيمانهم؟ بقلّة تقواهم؟
إذًا علينا أن نحذّر من قضية حتمية التاريخ، بمعنى أنّ الأمّة تسير بهذا السير لابدّ من صعودها من هذه الناحية إلى هذه الناحية إلى هذه الناحية وتمرّ في هذه الفترات؛ حتّى يؤدي إلى هلكتها، نقول هذه دراسة عاجزة؛ لأنّها حديث عن الإنسان كأنّه يتحدّث عن عالم المادّة الثابت، والإنسان غير ذلك، يعني السحرة ماذا كانوا في الصباح؟ كفرة فجرة، ماذا صاروا في المساء؟ شهداء بررة، يعني يمكن أن يتّم التحول والصعود لمجرد تغيّر الإنسان في لحظة من اللحظات.
الآن نحن جلوس وبيننا الحبّ، ممكن الآن في لحظة غضب يسير أن يتحوّل الحضور المحبّ إلى جريمة، كم من جلسات كان فيها سمر وفيها حبّ ثمّ انتهت إلى جريمة وعداوة لماذا؟ هل هو لتطوّر سنني حتمي أم هو لدخول عامل الإنسان الّذي لا تدري كيف تتغيّر قيمه في لحظة من اللحظات وكيف يتغير مزاجه وكيف تتغيّر أحواله.
والدليل: العرب، العرب لمّا كانوا من أذلّ الأمم، وأمام الأمم الأخرى لا قيمة لهم، وفي لحظة من اللحظات جاءتهم النبوة، وخلال 23 سنة تركهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقد تكوّنت آلتهم العظيمة الّتي صنعت التاريخ، ووصلوا في زمنهم هم زمن الجيل الأوّل، وصلوا إلى الصين، ما الّذي حوّلهم؟ دخول عامل جديد غيّر الحالة ولم يحتج الناس إلى صعود مادي، لم يحتج الناس زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزمن الصحابة إلى أيّ تطوّر مادّي في الآلة، يعني الذي يريد أن يجعل الحالة هي حالة المادّة يجب أن تتوافق، هذا غير موجود، وجدنا أن العامل الوحيد -هذا الّذي نريد أن نصل إليه- أنّ العامل الأول بل يكاد يكون الوحيد في صعود الأمم هو الإيمان، الإيمان وصدقه ومطابقته للحقائق أو مخالفته للحقائق الأسطورة، هذا إذا قام يغيّر حتّى لو كان هذا الإيمان باطلًا فهو قادر على الإزالة، هنا بعد ذلك مقدار القيم هي في البناء، إزالة الخصم وحضورك عنده يحتاج إلى قيمة الاستعلاء، أنّك أعزّ منه ويجب أن تأخذه وأنا أفضل منه، لكن بعد أخذه تحتاج إلى قيم البناء.
مثل التتار دخلوا فاجتاحوا من وسط آسيا وأزالوا الدولة الخوارزمية وأزالوا دولة الخلافة الإسلامية في بغداد ووصلوا إلى بلاد الشام في لحظات سريعة جدًّا، لكن بعد ذلك ما الّذي انتهى إليه هذا الحدث؟ إلى أن دخلوا في دين المغلوبين، تلاشوا لم ينشؤوا حضارة ولا أمّة، بخلاف الأمّة المسلمة، الآن لو أنت رأيت الغرب لما ذهب هؤلاء الغربيون إلى أمريكا، لما بدأ عصر الاستكشاف وذهبوا إلى أمريكا، ما الّذي أحدثوه؟ هذا الذي ذهبوا إليه أبادوه، أكثر من مئة وخمسين مليون إنسان قتل