يتحدث قطّ عن القيم الفطرية في الإنسان، لمّا تحدّث خاصّة عن الشقّ الأوّل وهو شقّ الإنسان كما يدرسه تركيبًا عضويًا وكيف ينتج معارفه وكيف ينتج آلاته وكيف ينتج أدواته والرفاهية المادية، نراه لا يتعرض أبدًا لفضل الفطرة.
وهو عندما ناقش ابن حزم؛ لأنّ ابن حزم يرى أنّ ما أدركه الإنسان من سبل حياته في قضيّة الكشف عن النار وأدواتها، ما الذي يُحرق والذي لا يُحرق، صناعة المواعين واللباس وصناعته، دبغ الجلد في الحيوانات، ابن حزم يرى أنّ هذه أمور فطرية وأوحاها الله عزّ وجلّ للإنسان، فلمّا ردّ عليه قال: لا هذا غير صحيح، واحتجّ ابن حزم بما احتجّ به على أنّ اللغات أيضًا وضعية ليس للإنسان فيها جهد، لابدّ أن نزل بها الإنسان ونزلت معه كالزراعة يعرف أنّ القمح يُزرع، يعرف أنّ هذا يؤكل أو لا يؤكل؛ لأنّه هكذا رُكّب الإنسان في فطرته، خلال ردّه لهذه المقولة الحزمية الأندلسية ليذهب بعيدًا وينسى الحديث عن القيم الإنسانية الفطرية، الإنسان أين هو بفطرته، هذه لا يتحدّث عنها ويذهب بعيدًا عنها ويجادل وكأنّها غير موجودة، كأنّ الإنسان يخرج من بطن أمه بلا قيم ولا فطرة وبعد ذلك تُتلقى فطرته.
النقطة الثانية: لم يتحدّث عن دور الأنبياء، عند الكلام عن نشوء الحضارات ينبغي النظر إلى من ينشئ الحضارات في الحقيقة، قلنا الّذي ينشئ الحضارات هي القيم هي الإيمان، فمن بثّ هذه القيم؟ من الداعي؟ الغرب يهتم كثيرًا بهذا، يعني عندما يرى كيف نشأت الحضارة الغربية المعاصرة، يهتمّ بفيلسوف قام بدراسات مادية، يهتمّ بفيلسوف قال بقضيّة قيم الاجتماع مونتيسكيو إلخ، بقضيّة العقد الاجتماعي يتكلّمون عن فلاسفة، فأين الحديث عن الأنبياء يتحدث عن هذا الأمر، لكن أين الحديث عن الأنبياء الذين أنشؤوا أعظم الحضارات، هذا لا نجده للأسف في هذا البحث، وهو جزء من التأثر بالدراسات الغربية؛ لأنّ القرآن في قراءته للأمم وفي عرضه للأمم إنما يعلّق أعظم الشروط أهمية في سقوط الأمّة ودمارها هو مدى الاستجابة لدعوة الأنبياء، ويتحدّث عن طغيانهم المادي ويتحدث عن {وَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} ، يتحدّث عن بناء البيوت العظيمة، يتحدّث عن عظم أجسامهم، يتحدّث القرآن عن هذا لكنّه لا يجعله سببًا للسقوط والدمار، إنّما يجعله القيم الّتي تحكم هذا المجتمع.
هنا نقطة مرّ عليها سريعًا وكان ينبغي أن يقف عندها، وهو الحديث عن الترف ويقول بأنّ الأمم تسعى للترف والترف هو مطلب إنساني، وبالتالي الترف ليس سببًا للسقوط، القرآن في الحقيقة يخالفه، يرى {أَوَمَن يَنشَأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} ، النشوء في الحلية، الإنسان الذي عاش في الترف والنعيم {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إٍلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا} ، المترفون هم