من كان يسمع قبل خمس وعشرين سنة عن الأستاذ محمود شاكر؟! هناك أستاذ اسمه محمد عباس، له مقالات في النت جيدة، كان يكتب في جريدة الشعب المصري، الذي يتبع حزب العمل، الذي كان يساريًا ثم تقارب وصار أبناؤه مسلمين، وأبناء أحمد حسين وهكذا، وهو رجل عجوز كبير ولي صلة معه، يقول في مقال له:"أنا ابن هذه الثقافة، أنا قارئ، وأمرٌ عجيب ألا أسمع عن محمود شاكر!!"، انظر إلى مقدار تغييب صورة المثقف الملتزم ابن هذه البيئة.
لكن الحمد لله الصورة الآن تنقلب، الأستاذ محمود شاكر الكل يتغنَّى به وبكتبه، ويُحضر ندوات له، وطه حسين صار خرقة بالية لا قيمة ولا اهتمام لها. هذا يدل أن الله إذا أراد نصرة هذا الدين، نصر معه ثقافته، بفضل الله هذا الإقبال على الدين، والإقبال على الشهادة، والإقبال على التضحية، وما نراه إنما هو من عودة هؤلاء الذين غُيّبوا وقوتلوا وحُرموا من كل شيء، حرموا من الدعم، من المال، من المؤسسات، من التوظيف، وكانت المعركة ضدهم كبيرة.
تجد واحدًا كان يكتب قصة يسبّ فيها الله، يسبّ فيها الرسول، يدافع عنه أهل المشرق والمغرب، ويوجد كثير، ويُقال أنها حرية فكر، وهذا إبداع وهذا أدب، وإذا قام رجل يدعو للأخلاق والدين، صاروا يعدّونه واعظًا، وصارت هذه تهمة، ويقولون:"نحن لسنا في خطبة جمعة"!، كل هذا من المحاربة، ولكن بفضل الله أنا أعتقد أن هذا الكتاب وأمثاله هو ضمن إعادة الثقة في ثقافة هذه الأمة وآدابها وتاريخها.
الأستاذ توفي سنة 2006 م -رحمه الله-، أسأل الله أن يكون مات على الإسلام والخير، يقول: اتصل بي أحدهم، وهو الأستاذ عبد العزيز فقال:"أنت بكتابك هذا المرايا المحدبة، استطعت أن تفتح نافذة صغيرة، لتدمير ما نعيشة من حداثة كاذبة غربية في الأدب، لكن أجزم لك أن كتابك هذا فتح لنا نافذة لنقد الحداثة -ليس فقط اللغوية- بل حداثة الدساتير والقوانين والتشريع."
لأن الحديث عن عولمة الثقافة، هو حديث عن عولمة القانون، هم يريدون قانونًا للعالم لذلك وضعوا الأمم المتحدة، لتحوّلَ كل الدساتير لتقترب من بعضها البعض، الكل يتحدث عن الديموقراطية على أنها منهج حياة، الكل يتحدث عن العلمانية على أنها منهج حياة، يريدون عولمة وإزالة كل الديانات والتشريعات الخاصة بالشعوب. تصور أن الذين يتكلمون عن الدستور والتشريع بهذه الجهالة من الدين، وهذا الرجل بدأ يتلمَّس أن هناك نقدًا عربيا، لم يصل لدرجة أن يضع نظرية في النقد العربي، هو فقط فتح نافذة الصغيرة.