فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 715

جاهزين". وهذا لا وجود له في التاريخ! من قرأ ولو لمّة قليلة من تاريخ الحروب الصليبية لن يجد أن الأمّة توقفت عن الجهاد في لحظة من اللحظات."

منذ أن نزل الصليبيون بلادنا وأقاموا لهم مملكة (الرها) و (أنطاكية) ، ثمّ بعد ذلك دخلوا إلى (بيت المقدس) وأوجدوا مملكة بيت المقدس، والأمّة تحارب وتجاهد، وكانت تحقّق انتصارات تعادل انتصارات حطّين، وبعد انتصارات حطّين هُزمت هزائم كما هُزمت في معركة دخول بيت المقدس.

لم يكن هناك العصر الذي نشأ فيه الجيل الذي لا يتحقّق معه إلّا الإنتصارات لما سبقه من جيل لا تتحقّق به إلا الهزائم، هذا غير موجود. في الوقت الذي كان الصليبيون يتقدّمون إلى انتصارات كان أهل الإسلام يتقدّمون إلى انتصارات. وفي الوقت الذي نشأ فيه صلاح الدين ليتقدّم إلى انتصارات كانت تتحقّق منه إخفاقات. فيزعمون أنّ العلماء طلبوا منه التوقف عن الجهاد. من هم هؤلاء العلماء؟! لا وجود لهم إلّا في الذهن، علماء نصحوا صلاح الدين قالوا له: لا تجاهد لأنّ الأمّة غير مستعدّة، ثمّ ربوْها، وأين صناعة التربية؟ لا ندري! ثمّ سألهم الآن نجاهد قالوا: لا ليس بعد الأمور لم تجهز. ثم جاهد فانتصر، كأنّ حطّين هي خروج من الغيب إلى عالم الشهادة في لحظة، كما هو شأن الحلم!

لماذا الحلم جميل؟ الحلم جميل لأنّه اقتطاع فقرة من الحياة بلا مقدمات ولا مآلات. يعني أنت الآن ترى نفسك في الحلم مثلًا أنّك تأكل، فتفرح أنّك أكلت، لكن هذه لا تعيشها أنت في الواقع؛ لأنّ قبل الأكل هناك ألم الطبخ وبعد الأكل هناك ألم الشبع! وأنت صحيح تمتّعت ولكن الحياة ليست كذلك، كل شيء له مقدّمات وله مآلات، والحياة بانتصاراتها فيها مآلات شاقة و بهزائمها فيها مآلات شاقة. والعكس كذلك، بالانتصارات هناك مآلات جميلة وبالهزائم كذلك هناك مآلات جديدة.

فتصوّر وجود مرحلة ثمّ مرحلة، هذه فكرة منتشرة في داخل الصف الإسلامي، وهي فكرة جميلة كما رأينا وكما نقول وكما يبيّن المشايخ في الخطب والدروس والكتب أنّها فكرة جميلة. وهي كذلك تلقي عن كواهلنا عبء المجاهدة الحقيقية. يعني عندما تذهب إلى الجمعة فيأتي الخطيب يقول لك:"أنت عليك الآن أن تجاهد والجهاد في حقّك الآن هو فرض عين، وعدم جهادك الآن هذا فسق وفجور إلّا أن تكون أنت مستضعفًا إلى آخره، لكن عليك أن تجاهد". أنت حملت أمانة، بخلاف ما لو ذهبت إلى خطبة الجمعة وقال لك الشيخ:"إنّ الجهاد لم يحن بعد ولا بدّ له من مرحلة تسبقه وهو أن نتربّى."والكلام غائب طبعًا، كيف نتربّى كلام غائب؛ لأنّها مسألة مختلف فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت