ولذلك ما يطرحه الدكتور في قضيّة هذه المراحل أنّ هناك مرحلة تربية. نريد أن نسأل تربية لماذا؟ وسنأتي الآن على النماذج التربوية الّتي طرحها الدكتور، وهي نماذج تربوية عجيبة جدًا. يعني الذي يقرأ هذا الكتاب ويعرف التاريخ ويعرف مشكلات الضعف الإسلامي وأسباب الضعف الإسلامي، يتعّجب أنّه يطرح النماذج المعوّقة والنماذج المَرَضِيَةَ، يطرحها نماذج علمية وتربوية وإصلاحية. وهذا من أكبر الأخطار التي يواجهها من يسقط مفاهيمه على التاريخ.
فهذا الكتاب -مع الاعتذار وأرجو ألّا أضطرّ إلى الاعتذار أكثر من هذا- هو نموذج لهذه الأفكار الّتي هي إسقاطية على التاريخ. التاريخ ليس كذلك. وأنا الآن سأضرب لكم أمثلة كثيرة تبيّن أنّ التاريخ لم يكن بهذه الصيغة، وأنّ الأمّة لما جاها الصليبيون لم تكن بأحسن أو بأسوأ حال ممّا لمّا خرجوا من عندها، كان فيها وفيها. لم يكن الجيل الذي حرّر القدس أحسن حالًا بالمفهوم التربوي، ولكن بلا شكّ أنّ القائد صنع أشياءً كثيرة حتّى حقّق النصر، لكن ليس بالمفهوم الذي يطرح من قبله -وهو التربوي- أنّ الأمة كانت في حال تحريرها القدس أحسن حالًا ممّا لمّا ذهبت القدس منها.
هذا من الأمثلة.
وسنرى أنّ هذا الجيل الذي نريد أن نذهب به إلى الصحراء، أو نذهب به إلى التكايا، أو نذهب به إلى الزوايا من أجل أن نصنعه هذا لا يمكن أن يكون، لماذا؟ لأنّ الحياة أعقد من أن تُغيّر من خلال هذه المدارس، ولصناعة جيل يحقّق النصر لا بدّ أن يُصنع هذا الجيل من خلال محنته ما يحتاجه البلاء. يعني عندما تريد أن تصنع شركة ما، فماهي الطريقة لإحيائها وصناعة جيل؟ من خلال صناعتك لهذه الشركة وأنت تعيش فيها، لا أن تبتعد عنها من أجل أن تخرج من الغيب ومن الظلمة من أجل أن تحقّق هذه الشركة. هذا لا وجود له، التاريخ يبرأ من هذه الأفكار والنظريات براءة عجيبة جدًا.
هذه النقطة التي ننبّه عليها هي عماد الجماعات في انسحابها من الواقع، وهي حجّة الأفراد والعلماء عندما ييأسون من إصلاح الأمة. يقول كلّ الذي عملنا كان خطئًا، بعد ثلاثين سنة وما زال إنّك امرؤ فيك جاهلية! بعد عشرين سنة وما زال يقول:"إنّك امرؤ فيك جاهلية". هو - صلى الله عليه وسلم - قال له:"إنّك امرؤ فيك جاهلية"ونبّهه إلى الغلط ولم يوقفه، وقد يبقى مقيمًا على الخطأ لكن امش في سبيل حياتك. لأنّ الإيمان يزيد وينقص، لا يوجد عندنا طبقة أولياء، لا يوجد عندنا طبقة صالحين لا يخطؤون. إنّما نحن نخطئ ونصيب والأمّة تخطئ وتصيب، ولكنّ وجود البلاء؛ لأنّها تخطئ في إصابة السنّة التي بها يتم التغيّير، وليس البحث عن وسائل أخرى!