سنة 588 هاجم الصليبيون مرة أخرى بيت المقدس من قبل ريتشارد قلب الأسد. هنا حدثت مشكلة، سنة 588 جاء ريتشارد الذي يسمّيه المسلمون ريتشارد"قلب الأسد"وهو من بريطانيا، هو فرنسي ولكن كان يحكم بريطانيا كذلك. وإلى وقت قريب كان القصر الملكي البريطاني الإنجليزي لا يتكلّم أبناؤه -ولا واحد فيهم- الإنجليزية وإنّما يتكلمون الفرنسية.
جاء ريتشارد"قلب الأسد"وجاء بحملته وحاصرهم ليستعيد القدس. تعرفون ما الذي حصل في الداخل مع المسلمين؟ جلس معهم صلاح الدين وقال لهم ماذا نفعل؟ فاختلفوا، شجّعهم، قالوا ندافع عنها حتّى الموت واتفقوا على ذلك، ثم أتاه جماعة قالوا له:"من أولى القدس أم الرجال"؟ جاء إليه مجموعة من القادة العسكريين. هذا هو الجيل!
شيخ الإسلام اضطرّ مرّة في منهاج السنة النبوية أن يظهر ما يُنقد على عليّ -رضي الله عنه-، ليقول للشيعة إذا نقدتم أبا بكر -رضي الله عنه- بهذه فعليّ -رضي الله عنه- أولى بالنقد. هو أراد أن يسقط نقدهم.
فأرجو أن تفهموها ليس باعتبار سبّ المسلمين، هم مجاهدون عظماء، ولكن هذه هي الأمّة، هذا هو الجيل الذي يحقّق النصر، وهو الجيل الذي يحقّق هزائم، وجيل آخر يتحقّق به نصر وتمضي الأمة، وحينئذ يتمّ التوازن. الانتصار يدفع الانتصار. الانتصار النهائي هو مجموعة انتصارات نهائية، وهذا الذي حدث في الحروب الصليبية.
فيمكن أن يأتي الخصم بقوة الثور فينطح ويُهلك، ماذا أنت فاعل؟ تبني وتقاتله وتضربه. ثور هائج وجموع قاتلة كبيرة جدّا، ماذا تفعل؟ تضربه مثل ما يفعلون في مصارعة الثيران حتى تُستنزف قوته فيَهلك. وعلينا أن نفهم أنّ آخر قلعة خرج منها الصليبيون في عكّا خرجوا منها من غير قتال. قالوا ما عندنا قدرة نبقى؛ لأنّ -وهذه قاعدة من القواعد كنت أتمنى للدكتور أن يذكرها- الصليبيين جسم غريب يجب في يوم من الأيام أن يخرج من داخل الجسد، ويفنى الجسم الغريب هذا. هذه هي القاعدة الأهمّ، القاعدة الأهمّ التي ينبغي أن تُفهم في الحروب الصليبية أنّ الجسم الغريب سيزول وإسرائيل ستزول لأنها جسم غريب، لكن ما هو الشرط؟ هو بقاء ووجود المقاومة في داخل الجسم حتّى يموت هذا الجسم الغريب.
وأيّ إيقاف للحظة من لحظات مقاومة الجسد لهذا الجسم الغريب هو موت لهذا الجسم، هو إعطاء الخصم فرصة للتمكين. إذا سكنت عنه وتركته، أنت تعطيه فرصة للتجذّر، وبجيل واحد تنتهي الأمم وبجيل واحد تزول. أنت تتحدّث عن تشكيل جيل وإيجاد جيل، معنى ذلك أنّك تركت هذا الخصم يتحرك بحريّة خلال هذا الجيل، ويصنع القلاع ويصنع الرجال ويأتي بالأذناب