واللصوص حتى تصبح هذه المملكة له خاصّة. الطريقة السننية تفرض أنّ الجسم الغريب يجب أن يزول ولكن بشرط وجود المقاومة في هذا الجسم الذي غُرس فيه.
نكمل حتى نرى النماذج البطولية. وأنا مضطرّ أن أذكر النماذج الأخرى حتى لا يُفهم من كلامه أنّ هناك جيلًا غيّر الأمّة الإسلامية. قلنا أنّه لمّا اختلفوا ثاني يوم، جاءت الجموع لصلاح الدين قالوا له:"من أولى القدس أم البشر"؟ فعلينا أن ننسحب، فجعل يرقّقهم. الغريب في هذا الأمر أنّ ريتشارد قلب الأسد انسحب قبل أن يصلوا إلى جواب؛ لأنّه كان عنده مشاكل داخلية، فانسحب. ولو هاجم القدس في مثل هذه الظروف من الاختلافات لعادت القدس بعد سنتين فقط إلى الصليبيين.
سنة 588 ذهب صلاح الدين ودخل يافا، وهذا جيل نصر وهو بلا شكّ حقّق انتصارات عظيمة وأخذ صلاح الدين من الصليبيين بلادًا كثيرة -وصار عليها التفاوض من قبل أحد أبنائه على فكرة، وسنرى هذه المشاكل-، الدكتور يقول:"أنّ الوجود بشر وأفكار وأشياء -مثلما طرحنا في قضيّة الحضارة-. فإذا غلبت صورة الشخص تمّت الهلكة. والأمّة التي تحيا هي التي تعيش أمام نماذج فكرية."الدكتور للأسف غرّر -مع الاعتذار-، يقول بأنّ:"أول مصائب حدثت في الأمّة في قضيّة -هكذا يقدّر وهو تقدير خطأ مائة بالمائة- ظهور الشخصانية مقابل الفكرة وأوّل حالة لهذا الظهور هو نموذج معاوية -رضي الله عنه-". وهي كلمة مرفوضة منه، لا أريد أن أناقشها ولكن مرفوضة تمامًا، وأنا تكلّمت عليها مرّة.
لأنّه في الحقيقة حالة العصبة هي التي تهدم، العصبة وليس الشخص، هي عصبة بمعنى أهل الشام فيهم عصبة يريدون وليس لها شخص معاوية ولا شخص ابنه، وإنّما هي العصبة التي احتاجتها الأمّة بعد أن أصبح هناك طوائف في داخل المجتمع الإسلامي.
القصد أنّه يقول بأنّ أوّل ضربة تحققت لظهور الشخص أمام الفكرة هو نموذج معاوية لتوليته يزيد.
كم ولد أنجب صلاح الدين؟ سبعة عشر ولدًا! كل مملكته تقاسمها أبناؤه. لم يترك وراءه فكرة، أين الجيل هذا؟! يعني السنة ما زالت جارية ما رأيناها تخلّفت. مات صلاح الدين وقد خلّف سبعة عشر ولدًا -أظنّ تسعة أو ثمانية ذكور والبقية إناث- فقُسّمت مملكته على أبنائه. ولا يوم من الأيام واحد منهم قال: تعالوا نعطي هذه الأرض للفكرة وليس للشخص! أبناؤه تنازعوها على طريقة السلاجقة.