على بيت المقدس اهدموا الأسوار!"، هدموا الأسوار فصار كلا الجيشين لا يطمع في دخولها؛ لأنّها لا تشكل أيّ منعة عسكرية لهم."
أنا لا أستطيع أن أحكم عليه في الوقت، لكن واضح أنه ستنتهي حجة الصليبيين فيها. هذا التحريض الّذي يقوم في أوروبا لإنقاذ قبر المسيح وإخراجه من بين يدي الوثنيين سينتهي. تفضلوا خذوه وينتهي الأمر.
فلمّا سقطت قيمة هذه المدن عسكريًا، وقال لهم هذه المدن مقابل دمياط رفض الصليبيون هذا العرض. وكانت النتيجة أنّ الله -عزَّ وجلَّ- أهلكهم لمّا دخلوا في بعض المناطق السبخة هناك، فأطلق عليهم أهل البلد المياه فأهلكوهم. يعني ذهب العرض وذهب الطمع وهلك منهم عشرات الآلاف، وحينئذ تداعوا للصلح، فصالحهم على أن يعيدوا له دمياط مقابل أن يطعم وألّا يقتل بقايا الناجين من هذه المهلكة التي وقعت فيها.
لمّا نقرأ تاريخ الحروب الصليبية نجد أنّ صلاح الدين لا يوجد عنده هذه الفكرة أصلًا، يعني هو بلا شكّ، الّذي نراه أنّ الرجل ربّما يكون عاديًا، ذكيٌ لكنّه عاديٌ قبل الملك، والملك يفتح له الآفاق، هذه قضيّة موجودة في التاريخ. يعني رجل يكون عاديًا لكن تُفتح له روزنة وطاقة من الملك والسلطان، ويكون ذكيًا فيدخل فيها ويلجها، وحينئذ تكبر آلامه وتكبر أحلامه وتكبر آماله بالسيطرة، ومن هؤلاء صلاح الدين.
القارئ لشخصية صلاح الدين، يرى أنّه لم يكن لديه أيّ حلم ولا أمل بأن يكون سلطانًا أو ملكًا أو أن يكون قائدًا. كيف بدأ صلاح الدين وعاش ضمن الظرف الموضوعي الذي هو فيه؟ كان هناك عماد الدين من السلاجقة، بعد أن مات"بركياروق"ولم يخلّف أولادًا فظهرت شخصية عظيم وهو عماد الدين زنكي، عماد الدين زنكي جاهد الصليبيين مجاهدة شديدة وعظيمة، وهو مشهور بالتقوى والصلاح، ومات شهيدًا ويسمّونه عماد الدين زنكي الشهيد؛ لأنّه قُتل من قبل عبيده، دخلوا عليه وقتلوه نائمًا قرب صلاة الفجر. فعُيّن ابنه محمود نور الدين، لأنّه لمّا مات كان له ولدان أحدهما نور الدين محمود زنكي. وهذا بلا شكّ شخصية عظيمة ورثها من أبيه وبدأ كذلك عملية الجهاد ضدّ الصليبيين.
حتّى نعرف كيف ظهرت شخصية صلاح الدين، يعني ليس عندنا هذا الحلم الذي يُغذّى من قبل بعض الناس، أنّ هناك شخصية كانت تخطّط منذ الأوّل: كيف تصنع النصر وكيف تصل للقيادة؟ هذا لا وجود له. لأنّ هناك من يريد أن يوهمنا بأنّ صلاح الدين، كان يحلم أن يحقّق هذا الملك والسلطان ويجمع الأمّة منذ طفولته، وواقع الأمر ليس كذلك. والدليل كالتالي: