للصيد أسد الدين، ولمّا رجع قال له صلاح الدين بأنّ لديه هدية رائعة، قال:"ما هي؟"، فأتى بالأواني معبأ فيها رأس شاور ومن معه من جنوده قال له: تفضل. غضب عليه أسد الدين، ولكنّه قال: خيرًا حصل.
وبعد ذلك مات أسد الدين موتًا طبيعيًا، وصلاح الدين واضح أنّه كان بلا شك ككلّ الأكراد والمقاتلين في تلك المرحلة من اختيار هؤلاء، وظهر كقائد وحينئذ اختير فعُيّن وزيرًا بدل شاور عند الملك العبيدي. وأرسل له الخليفة المسترشد يقول له بقطع الخطبة عن الخلفاء العبيدين -وهذه مظاهر فقط- وإحيائها للخلافة العباسية، رفض في الابتداء، وبعد ذلك أعلن وأرسل شارة بإسقاط العبيديين وإعلان الخلافة الإسلامية.
ولأنّه في الحقيقة يريد كذلك الشرعية، صلاح الدين يبحث عن الشرعية، وانتشر صيته وصارت له قوّة وصار له اسم حتى غار منه نور الدين. وحدثت بينهم مناوشات لا أريد أن أمرّ عليها، ولكن لأدلّكم على أنّ المعركة لم تكن بذلك الصفاء. هي معارك بشر وفيها أخطاء، وفيها إنسانية، وهم عظماء بلا شكّ. وما أذكر هذا إلّا من أجل إخراج فكرة الجيل النقيّ الذي يطلبه هؤلاء لتحرير القدس أو لتغيير مزاج التاريخ. وبعد ذلك صلاح الدين بزغ نجمه، ونور الدين أرسل له رسائل، وهو كان يرضيه ببعض المال والهدايا وطلب منه بعض الطلبات، ينفذ بعضها والبعض لا ينفذه حتّى مات نور الدين.
فجاء واقتطع كالعادة المملكة أبناء نور الدين. فجاء صلاح الدين وبدأت اتفاقات مع هذا ضد هذا، أخ ضدّ أخيه وهكذا حتّى انتظم له الأمر، وأخذ دمشق وصارت له ثمّ حدث ما حدث. والقتال المتتالي لم يتوقف حتّى تحررت القدس.
القدس سقطت مرّة أخرى كما قلنا لكم بعد صلاح الدين. كيف سقطت؟ حتّى نواصل هذه القضيّة، قضيّة القدس كأنّها معضلة، انتهت كمعضلة عسكرية. في سنة 627، دخل الصليبيون القدس وأخذوها بماذا؟ سلّم الملك الكامل ابن صلاح الدين بيت المقدس للإمبراطور الألماني فريدريك الثاني سِلمًا. قال له:"خذها من غير شيء ومن غير قتال على شرط فقط ألا تجدد أسوارها". يعني انتهت، ولذلك الصليبيون خرجوا منها بعد أن لم تشكل لديهم قوّة. خرجوا منها بإرادتهم بعد ذلك؛ لأنّها لم تعد تشكل لديهم مركزَ ثقلٍ. هم عسكر وهم جنود، الذين كانوا يأتون من الغرب إلى بلادنا جنود معهم عائلاتهم، نعم! وأرادوا الاستيطان. ومن دلائل الاستيطان، أنّ حملة من الحملات الصليبية الكبيرة جدًا، جاءت من أجل أن تدخل مصر فمرّت على القسطنطينية -والقسطنطينية الروم وهؤلاء صليبيون أتوا من ألمانيا ومن فرنسا-، فوجدوا أنّ بلاد القسطنطينية أجمل ممّا حلموا به في مصر فتركوا أمل الذهاب في مصر، واستقرّوا في القسطنطينية وقاتلوا أهلها حتى أُبيدوا.