نحن المسألة عندنا محسومة أن مصدر القيم والتحسين والتقبيح هو الله، الذي يقول عن الشيء حسنًا فينزع عنه صفة القبح هو الله، والذي يعطي صفة القبح لشيء وينزع عنه صفة الحسن هو الله.
فلذلك الشيخ يبدأ بهذا ولا شك أنه حاضر في ذهنه.
ثم يأتي إلى قسم آخر وهي المقامات التي أعطاها الله لرسوله بعد أن يذكر علة هذه المقامات كما سيذكر هنا، ويقسّم كتابه كما قلنا أربعة أقسام؛ القسم الأول في تعظيم العلي الأعلى لقدر هذا النبي قولًا وفعلًا، ثم قسّم هذا القسم إلى أربعة أقسام وكل قسم قسّمه فصولًا نمر عليها بسرعة. القسم الثاني فيما يجب على الأنام من حقوقه.
الآن لمّا أعطاه الله -عزَّ وجلَّ- هذه المقامات الشريفة وأسبغ عليه هذه النعم والخصائص المتميزة والتي تميز بها فإن له حقًا على بقية الخلق، حينئذ هذا يفرز حقًا ربانيًا على بقية الخلق تجاه هذا النبي. في القسم الثاني، هذا الكتاب يتكلم عن حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخلق جميعًا عمومًا وعلى أمته خصوصًا. مثلًا من الواجبات العامة على كل البشرية هي أن تؤمن به، فمن تخلّف عن هذه الصفة فهو محجوج وعليه الإثم والعقوبة، يُعاقب، فالمسألة ليست اختيارية، واجب رباني عليك لأنك عبد له أن تقدر هذا النبي.
هنا نأتي لقضية مهمة جدًا في النقطة الثانية: هناك دينان؛ دين وثني يتعلق بالشخص والوثن، وهناك دين فلسفي يتعلق بالذهن دون العلاقة بالمادة. الإسلام لا يقبل هذه الطريقة ولا هذه الطريقة. لا يقبل أن تعبد حجرًا بأن تتعلق به على معنى أن الحجر يملك قيمة ذاتية أعطته حق التأله على غيره، هذه ديانة وثنية الإسلام يرفضها.
الديانة الثانية هي الديانة التي تجرد الأديان عن الأعمال المادية وتبقي العبادة على معاني ذهنية، تقرّ العبادات لله -عزَّ وجلَّ- ولكنها تجعلها على معنى ذهني، وهذه يتمثلها العوام بقولهم"الدين في القلب"، يتمثلها العوام بقولهم بأن الطاعة هي حالة ذهنية فقط، أنا أعبد الله بقلبي، أنا أتفكر في العبادة، ولا يقوم لا بزيارة كعبة ولا بصيام رمضان ولا بزكاة مال ولا بذهاب إلى مسجد ولا بتوجه إلى القبلة إلى غير ذلك.
فالدين الحق يجمع بين الأمرين. هذه لماذا أقولها؟ لأن قضية الإنسان الذي يمثل الحق جزء من الحق. المنهج (الإسلام) الذي يحمله شخص ما هذا الشخص يصبح جزءً منه. ولما جاء الأنبياء بالدين فالأنبياء صاروا جزءً من الدين. ولمّا حمل الصحابة هذا الدين صاروا جزءً منه.