القسم الرابع وهذا الشيخ أبو محمد يتكلم عنه أكثر من غيره وهو في تصريف وجوه الأحكام على من تنقّصه أو سبّه - صلى الله عليه وسلم - وهذا الذي علينا أن ننشره في هذه الأيام إسكاتًا لهؤلاء الذين يخرجون من دين الله أفواجًا بسبهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أتى الشيخ بأبواب عظيمة في الإيمان وفي سب النبي وفي الردة، وكأن هذا القسم هو كتاب مستقل لوحده. ولو أخذه طالب علم واستلّه من هذا الكتاب وأخرجه وشرحه ونشره يكون في ذلك إحسانًا.
هذا ما يتعلق بالكتاب.
هناك أمر أريد أن أنبّه عليها بالنسبة لهذا الكتاب. هذا الكتاب مُدح مدحًا شديدًا من قبل العلماء. حتى الذين تكلموا على بعض هناته ذكروا أن هذا الكتاب لم يبلغ شأنه كتاب آخر. منذ أن ألّف القاضي عياض كتابًا في هذا الباب لم يبلغ مثل هذا الكتاب عظمة وجمالًا وتنسيقًا وأحكامًا وتصنيفًا كما أتى هذا الكتاب من هذه الأبواب العظيمة.
ومع هذا التبجيل والتعظيم والاهتمام خاصة من المغاربة في شرحه، وإلى الآن تُنصب المجالس العلمية في شرح كتاب الشفا للقاضي عياض، وأشهر شرح هو شرح علي القاري مع وجود شروح كثيرة له، إلا أن العلماء انتقدوا عليه أمورًا نمر عليها فنرد على بعضها ونعالج بعضها ونقبل بعضها:
أول مؤاخذة عندما جاء الإمام الذهبي -رحمه الله- إلى ترجمة القاضي عياض وأفاض فيها تعظيمًا لشأنه لأنه من المهم أن نعرف أنّ القاضي عياض إمام في عدة فنون، وأعظم فن عنده هو فن البلاغة والبيان واللغة، له مشارق الأنوار وهو على طريقة غريب الحديث، وأول من كتب في غريب الحديث كما تعلمون أبو عبيد القاسم ابن سلام -رحمه الله- ولما عرضه على الإمام أحمد جمع أبنائه وقرأه عليهم وأمرهم بحفظه.
فله مشارق الأنوار وشرحه لحديث أم زرع، وكلاهما مطبوع، وكذلك شرحه على صحيح مسلم، فله شرح على صحيح مسلم واسمه المفهم؛ فالإمام عظيم الشأن في قضية اللغة واهتمامها. وكذلك له اهتمام بالأنساب والرجال، وله كتاب في هذا وهو ترتيب المدارك وهو في ذكر طبقات علماء المالكية وهو كتاب رائع مطبوع ومهتم به ومنشور.
كذلك هذا الإمام يُعرف عنه الفقه وهو من المقدمين في فقه الأئمة المالكية.
الإمام الذهبي عندما جاء إلى ترجمته عظّمه العظمة اللائقة به لكنه لما جاء إلى كتاب الشفا وذكر كلمته التالية أنقل لكم كلامه بتصرف يسير يقول الذهبي عن الإمام القاضي عياض: تواليفه نفيسة، وأجلها وأشرفها كتاب الشفا.