العلماء مجمعون على أن تربة قبر النبي خير من الكعبة، وابن تيمية يقول الإجماع على خلافها. وهذا الكلام موجود في مجموع الفتاوى.
وهنا لا بد أن أذكر بأن كثيرًا من هذا الكتاب قد أخذه شيخ الإسلام في الصارم المسلول؛ لأن مباحثه تتعلق بحكم الساب على النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسائلها. فهذا إجماع ردّه ابن تيمية بإجماع آخر.
النقطة الثالثة التي عيبت على القاضي عياض وهي أشعريته، وخاصة في مسألة الإيمان؛ لأن الإيمان عنده وهو يصرح بهذا هو قول اللسان واعتقاد القلب ولا يذكر العمل. وحين يأتي إلى الأعمال المكفرة فيجعلها دليلًا على الكفر وليست بذاتها كفر، وهذا باب مشتهر فهو أشعري في هذا الباب وتكلم بما يعلم فيه، وهو معذور على ما جرى عليه أهل زمانه فهو توفي عليه رحمة الله 544 هـ، وهذا وقت انتشرت فيه الزندقة، هذا الوقت هو وقت الغزالي، وهو عاشر المهدي ابن تومرت وهو باني قواعد دولة الموحدين التي أنشأها عبد المؤمن، وعبد المؤمن كان يخاف من القاضي عياض ويحتقره، عبد المؤمن الذي أنشأ دولة الموحدين وهي دولة يعتبرها علمائنا دولة بدعية قامت على أصول اعتزالية وكفرت الناس وقتلت منهم من قتلت إلى آخره. فهذا وقت انتشر فيه هذا الأمر، ولعل هذا الكتاب فيه بيان لقضية حق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في زمن انتشرت فيه الزندقة. ومن تلك الزندقة هو عدم معرفة مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - أو التعامل معه كما يريد تعامل المعاصرون أنه مصلح كما تكلمنا في الدرس الفائت.
يتعاملون مع النبي على أنه عبقري، وأنه مصلح اجتماعي، وأنه ذكي، وأن ما أتى به هو من قبيل إنسانيته الفذة وليس من قبيل النبوة التي أُكرم بها -عليه الصلاة والسلام-.
بقيت المسألة الرابعة التي عيبت عليه وهذه وجدتها في لوامع الأنوار البهية للسفاريني وهي دعواه أن القاضي عياض يميل في مسألة إعجاز القرآن إلى القول بالصِرفة وهذا غلط، الكتاب بين أيدينا وهو ليس على هذا في شيء، ولا أريد أن أخوض فيها كثيرًا.
ما معنى الصِرفة؟ يعني أن القرآن يستطيع البشر أن يأتوا بمثله لو أزيلت حواجز المنع الإلهي، وإن الله -عزَّ وجلَّ- منع البشر أن يأتوا بمثله ولو لم يحصل المنع القدري لحصل الفعل لوجود القدرة. هذه منسوبة إلى النظّام، وبعض المعاصرين ينسبها للجاحظ وهذا غير صحيح، والجاحظ له كتاب في الرد على شيخه النظّام.