فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 715

حقيقة شخصية تكتب بهذا الهدوء بعد هذا الصراع شخصية غريبة. وواضح أن ابن حزم يستطيع أن يتحكم في نفسه، وأن كل كلمة قالها في هذا الكتاب هي صادقة.

ابن حزم له ميزات كثيرة، لكن من ميزاته أنه صادق مع نفسه. يُعرّي نفسه في كتبه؛ لأنه لا يعتبر أي تعرية هي مجال سلاح للخصوم. يعني عندما يقاتلك خصومك بكل أنواع القتال وتنتهي أسلحتهم، فأنت أي سلاح تعطيهم إياه لا يعُد له قيمة، ولذلك هو يعرّي نفسه يقول خذوا، تريدون أسلحة؟ تريدون أن تسبوا علي؟ خذوا ما شئتم لا أبالي. لماذا؟ لأنه يريد أن يَصْدُق قارئه.

هذه ميزة لعلمائنا جليلة عظيمة، ولابن حزم هي أجلى في هذا الجلاء وفي هذه العظمة.

مثلًا عندما يأتي على الزهد يقول: أنا لا أؤمن بالزهد الهندي، هذا الزهد الذي يتحدثون عنه هذا لا وجود له وأنا لا أؤمن به، الزهد هو أن آكل مباحًا ولا أطمع فيما هو مفقود، ولكني أتنعّم بما هو موجود كثيرًا أو قليلًا لا أتركه ولا أزهد فيه.

ويقول: ليس الفاسق عندي من إذا عُرضت عليه المعاصي وقع فيها، لأنه يعترف وهو يقول: بأنني أتحدى أي إنسان تُعرض عليه المعاصي كم يصمد؟ بعضهم يصمد من أول جولة، بعضهم ثاني جولة، بعضهم ثالث جولة، ولكن في النهاية إذا بقيت المعاصي تُعرض عليه سيسقط، وليس هذا عندي بالفاسق. الفاسق من حُبست عنه المعاصي فأتى إليها وبحث عنها!

يعني لا يريد أن يقول: أنا ذلك العابد الذي إذا جاءت إليّ المعاصي أنا فحل وجبل ولا تنفذ إليّ البتة. لا يريد أن يقول: أنا العابد الذي يقوم طيلة الليل. يقول"هذا نسك هندي أنا لا أؤمن به!."

ربما هذا الكلام في زماننا هذا يشجع على مزيد من ترك العبادات؛ لأنه ليس عندنا نحن نسك هندي! الناس عندنا سيأتون على صلاة الفجر جماعة. يعني تكاد تجد المسجد يخلو من المتديّنين، أو ممن يُحبّون ابن حزم، لا يأتون لصلاة الجماعة. فإذا سمعوا ظنوا أن ابن حزم يقصدهم؛ أننا نحن صالحون حتى لو فقدنا صلاة الفجر جماعة.

قطعًا هذا لا يقوله ابن حزم. هو يعبد الله بما صح في السنة، وما صح في السنة أن يقوم في الليل، أن يذهب إلى المسجد، أن يعمر بيوت الله، على ما يقوله من فقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت