فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 715

فلذلك ابن حزم حين نجرّده من مشاكله الفقهية، طبعًا هو جرّد نفسه من المسائل السياسية؛ حارب كثيرًا وحُورب كثيرًا، مرة ينتصر مع من أيده من الملوك الأندلسيين، ومرة يحصل انقلاب فيُطارد ويُسجن إلى غير ذلك، ثم هجر السياسة. ترك تأييد من غَلب ومن غُلب، لكنه بقي محاربًا في مجال الفقه.

حين يأتي إلى هذه الكتب يستريح ابن حزم، فيُظهر نفسه الإنسانية بما فيها، وينصح أمته نُصح الرفيق ونُصح الصادق ونصح الأمين. وهذا الكتاب هو من هذا النوع.

الكلام عن شخصية ابن حزم بعيدًا عن فقهه وبعيدًا عن اختياراته الفقهية واختياراته العَقَدية كذلك واختياراته الأصولية واختياراته الحديثية، هذا باب واسع كل جانب فيه يحتاج إلى مؤلَّف ومصنَّف وجَلَسات. ولكن نحن نتحدث الآن عن ابن حزم باعتباره مجرِّبًا للحياة، وباعتباره خائضًا لسبلها في كل أنواعها، فقد كان مُنعَّمًا ثم أصبح بعد ذلك في السجن، كان منعّمًا ثم أصبح بعد ذلك طريدًا في الصحراء، له الأعداء وله كذلك المحبِّون.

يعني شخصية عاشت التناقضات في حياتها فلا بد أن نستمع لما يقول، وعلينا ألا نقف مع كلماته ككلمات تُلقى هكذا، يجب أن ندقّق فيها.

وأنا أقول لكم أني ممن تأثَّر بهذا الكتاب مبكّرًا. ومن عاشرني يعرف متى أحتاج لبعض الكلمات، مثل ذلك استفادته من أعدائه، هذه دائمًا أنا أستشهد بها من هذا الكتاب.

كم استفاد ابن حزم من أعدائه وخصومه، يقول: إن عامة ما كتبه من العلوم إنما هو بسبب وجود الخصوم، فوجود الخصوم نعمة إلهية!. يقول عليك ألا تُظهر دهاءك وألا تُظهر ذكاءك لأنك ستُحسد وستُقاتل. يقول اجعل نفسك كأنك لا تفهم، هذا التغابي. هذه مواطن له يجب علينا أن نراعيها، وعلينا أن نهتم بها.

ولذلك في الكلام عن هذا الباب ممكن أن نتحدث عن كيفية قراءة هذه الكلمات؟

ابتداءً أقول إن هذه الكلمات لا يجوز لأحد أن يقرأها قراءة جريدة ثم بعد ذلك يرمي الجريدة! هذا كتاب يجب أن يكون كتاب الجَيْب. وكلما رأيت حالة فراغ وتعب وكنت غير قادر على قراءة الكتب العلمية الثقيلة أخرج هذا الكتاب فهو ككتب الراحة بدل أن تضيع وقتك أخرجه واقرأ. ستجد الراحة فيه، ستجد المعونة فيه، ستجد الكلمات السهلة فيه، والتي تحتاجها في مشاكلك وفي حياتك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت