فهذا كتاب ينبغي أن يكون لطالب العلم، والداعي إلى الله، وللمجاهد، وللإنسان في حياته وفي بيئته لمعرفة أصدقائه من أعدائه، لمعرفة كيف يُطلب العلم، لمعرفة الخصوم من الأحباب. فهذا كتاب الجيب.
النقطة الثانية: هذا الكتاب عندما ينظر فيه الناظر يعجب، يجد أن بداية الكتاب هو لمحات، يقذف بالعبارات القصيرة، وعندما يأتي إلى المنتصف يبدأ بالتطويل والشرح وكأن الموضوع يختلف لديه، العبارات الأولى تكفي فيها عبارة قصيرة، ويقول لك: افهمها فهي مليئة. الثانية كأنه يعجز عن الاختصار، هل هو تغير للحال؟ هل هو ذاهب للكتاب مع أحوال متعددة؟ أنا أجزم أن هذا الكتاب لم يكتبه في جلسة، لأن سياقه مختلف، وربما كتبه على ظروف متعددة، ليس على طريقة (صيد الخاطر) ، مع أننا نستطيع أن نضع هذا الكتاب في نموذج (صيد الخاطر) لابن الجوزي، فهو تطرأ على باله الفكرة لحظة استجمام، أو تكون حالة معينة تستدعي فكرة معينة فيذهب ويسجل هذه الكلمات في كتابه، ويقول هذه لحظات استجمام ولحظات راحة.
وبعضهم ألّف (هكذا علمتني الحياة) مثل الأستاذ مصطفى السباعي، شذرات من عملي مجموعة سميتها: (شذرات من الفكر والحياة) على هذه الطريقة، لكن هذا الكتاب من الصعب أن نضعه هكذا، لأن الكتاب ليس انتقاءً للأوقات، يعني لما تذهب للكتاب تجد ترابطًا فيه، وليس مثل كتاب (صيد الخاطر) تجد أن الفكرة الأولى تختلف عن الثانية، الأولى تتحدث عن الفقر والغنى، الثانية تتحدث عن الصداقة، فابن حزم رتَّب كتابه ترتيبًا مبوَّبًا؛ تحدث عن الحب تحدث عن الصداقة تحدث عن العلم تحدث عن أدواء الأخلاق عن كيفية معالجة، فكأنه ألّف كتابًا، وإن كان كنموذج من هذا الباب وهو ما استفاده ابن حزم من حياته، ما أراد أن يقدّمه للأمة من ثمرات الحياة المتناقضة والصعبة، كأنه أراد هذا لكن طريقة التأليف تختلف.
الفرق بين أن يكون للرجل"كُنّاشة"كما يسميها علماؤنا قديمًا، وهذه كلمة ما بقيت إلا عند المغاربة، كُنّاشة يعني يكون للرجل كتابٌ أو دفتر فيه ورقات كلما خطرت له خاطرة كتبها، كلما سمع مسألة علمية سريعة كتبها، فيجمعه بعد ذلك ويكون عنده كمية، وهذه أنصح بها طلبة العلم، لأنك كثيرًا ما تحتاج العبارة فلا تجدها، فإذا كتبتها قيّدت صيدك، ورجعت لها فوجدتها محفوظة في هذا الكتاب، أنا أنصح بهذا المبتدئين، سيجد عنده بعد ذلك عنده كمية، وإذا رجع إليها بعد ذلك وجد عنده منفعة وفرِح بها. وهذه للأسف مما فقدنا النصح له ابتداءً وسلوكه، ففاتنا خير كثير من الأمور التي مضت، وربما كتب المرء بعض الشذرات فلما رجع إليها فرح بها، كأنها مكتوبة مِن قِبَل غيره.