فهذا الكتاب ألّفه ابن حزم وهو ذاهب إلى كتاب، كما أنه ذهب إلى (طوق الحمامة) وهو في ذهنه كتاب. بخلاف (صيد الخاطر) ، (شذرات من الحياة) ، (هكذا علمتني الحياة) ، كلما خطرت له فكرة أو حدثت قضية ذهب وكتب فيها المنفعة.
النقطة الثالثة في هذا الكتاب: هذا الكتاب يحتاج إلى شرح، وليت بعض طلبة العلم يتفرّغ لشرحه، الشرح من أجل أن يبيّن ما فيه من معاني، والحق أقول لكم: لا ينفع لشرحه شاب، ليس امتهانًا للشباب، ولكن هذا كتاب تجربة وليس كتاب ألفاظ، يمكن لطالب العلم المبتدئ أن يشرح ألفاظه، يقول هذه العبارة المقصود بها كذا وكذا، يبيّن جماليَّة العبارة، يبين معناها وإذا كان فيها تلغيز، إذا كان فيها عدم إبانة يشرحها. لكن هذا الكتاب ليس كذلك؛ هذا الكتاب يحتاج شرحًا من رجل مجرّب مُعانٍ، يقف أمام تلاميذه ويبيّن لهم ماذا تعني هذه الكلمات، كيف صدرت منه، كيف تكوّنت، كيف يمكن للمُجرِّب أن يُقدّمها لغير المجرِّب وينتفع بها عند نزول الحوادث؛ لأن كثيرًا مما تقرأ لا يغوص إلى نفسك، يبقى على القشرة يا شيخ!، بمعنى أنه عند ضرورة وجوده لا تجده لأنه على السطح.
الآن هل كل أحد يذكر آيات الصبر عند وجود الجزع وعند وجود المصيبة؟ من يذكرها؟ من كانت الآيات غائرة غائصة في نفسه، قد ملكت روحه وتشبّعت بها نفسه وقلبه، حينئذ لو وقعت مصيبة فورًا تحضره آيات الصبر وأحاديث الصبر ويبدأ هو يصبّر نفسه بها، لكن القراءة العادية والتي لم يُعاينها فإن الكلمات تبقى على السطح، عند حضور ضرورتها تطير وتتبخر، ويخرج ما في النفس من حقائق، وهذه لم تكن من حقائق النفس لأنها لم تغص، ليست غائرة.
ولذلك أنا أنصح أن يُشرح هذا الكتاب من مُعانٍ، من رجل عاش هذه التجارب. وسنرى بعض الكلمات الرائعة وسنقرأ هذه الجلسة، لا نريد أن نتحدث عن ابن حزم أكثر، وحتى لا يقول أحد: أحس بأنك معجب بابن حزم، كان عندنا لقاء -ومسجل موجود في النت- في رمضان كل يوم في رمضان أختار عالمًا فأتحدث عنه، مثلًا اخترت البخاري، اخترت أبا الحسن الندوي، واخترت ابن حزم، فواحد جاء إلي وقال:"كانت كلماتك اليوم كلمات محبّ لم تستطع أن تستر حبك لابن حزم!"، ولا شك أنني أحبه، ولكنني لست -إلى هذه اللحظة- ممن في جوف ابن حزم، يعني أقرأ لابن حزم وأنا أنتقده وأُراجع ما يقول وخاصة في أبواب الفقه والأصول.
وفي كتابي أرجو أن أُعيد الابتداء به وهو (حوار مع الكبار) ، ناقشت مسائل لابن حزم ورددت عليه فيها، كقوله:"من السنة كذا"، نفى أن تكون المرفوع وهي في الصحيح من كلام الصحابة.