لما غزت الثقافة الهندية والفارسية واليونانية عالم الإسلام من الترجمة وبدأت الترجمة، بغض النظر عن غزوها بجانب العقائد وفي جانب التصورات وجانب المنطق، لكن كذلك دخل جانب الأدب، فبدأ البعض يؤلف كتبًا في الأدب ويجعل الأقوال التي قالها الهنود وقالها الفرس وقالها اليونان بموازاة ما في الحديث، يعني إذا ذهبت لكتاب (الأدب الكبير) لابن المقفّع لا تجد فيه أحاديث نبوية، ربما تجد فيه حديثًا أو حديثين لكن تجد الكتاب مليئًا بما قاله اليونان وما قاله الهنود وما قاله الفرس، لو ذهبت إلى المسكويه في (الأخلاق) لوجدته كذلك، فبعض الدراسين وقد أصابوا في ذلك، وهذه قد نبّهتُ عليها قديمًا؛ لأنني وجدتها أن أهل الحديث بدأوا في الرد عليهم في تأليف كتب في الأخلاق النبوية ليقولوا بأن مصدر التلقي في الأخلاق ليس ما تقولونه عندنا ما يكفينا؛ فألّف الإمام البخاري كتاب (الأدب المفرد) ، والإمام ابن داود أوسع كتاب في كتابه (السُّنن) : الأدب، فبدأوا يؤلفون في الأدب ردًّا على ما بُدِء بتصنيفه من قِبل البعض تأثُّرًا بما قاله الآخرون، وهذا من قبيل وحدة المصدر.
فبعض المحققين لهذا الكتاب جعل هذا الكتاب على هذه الطريقة، وهذا غير صحيح، ابن حزم لا يتكلم عن الأدب، لا يتكلم عن الأخلاق، يتكلم عن الإنسان؛ عن إخفاقاته، عن نجاحاته، عما ينبغي أن يحذره عما ينبغي أن يراعيه إلخ، ويتكلم عن تجربته الشخصية. ولما رجعنا إلى الكتاب لنجد هل قاله من جهة التجربة أم من جهة النصوص؟ وجدنا أن الكتاب أن قاله من جهة التجربة، احذر كذا افعل كذا إلخ، يتحدث عن تجربته، ولا يدخل في هذا مع أن أصل القضية صحيح، لكن وضع هذا الكتاب ضمن المشروع الذي هو رد أهل السنة على المتأثرين بالثقافة القادمة الوافدة هذا كلام غير صحيح.
من المهم الانتباه أن ابن حزم في دعواه لهذه القضايا كان حريصًا -لا حرص المُرضي لغيره بل حرص العابد لربه- أن يبيّن أن القيم لا تكون عظيمة إلا بنسبتها لهذا الدين، وأن ختام ما يمكن أن يبلغه صاحب الأخلاق وفاهم البشر وعالم النفس البشرية هو باتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأقول هذه الكلمة ردًّا على محمد عابد الجابري؛ في تقسيمه لعقل المسلم التقسيمات الثلاثة؛ العقل البياني وهم الفقهاء، العقل الغنوصي وهم الصوفية، والعقل الذكي أو العقل القياسي أو العقل المفكر وهم المتكلمون والمعتزلة وغيرهم. ويقول محمد عابد الجابري أن الثقافة الإسلامية والبيئة الإسلامية أنتجت ثلاثة عقول، هناك العقل البياني وهو الفقهي والذي بناه الشافعي ومشى عليه الفقهاء وكذا وهذا عقل غلط، حتى أنه يدخل في مفهوم العربية فهمًا باطلًا ويسب على العربية، وحاول البعض أن يرقّق مراده والحقيقة أنه يسبّ على العربية، وجعل أن مجرّد التفكير من خلال اللغة هو مفسدة، هذا واحد. العقل الثاني هو العقل الغنوصي وهو الصوفي وجعل له رجاله إلخ. العقل الثالث هو العقل المعتزلي أو العقل المفكّر أو العقل العقلي إن جاز التعبير، ومن هنا اتُهم محمد عابد الجابري بأنه مغربي ونسب ابن حزم لهذا العقل، مع أنه لو أردنا أن