فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 715

يقول وكل الحديث عن الأعداء يريد أن يُجنِّبك إياهم:"احرص على أن توصف بسلامة الجانب، وتحفّظ من أن توصف بالدهاء، فيكثر المُتحفِّظون منك، حتى ربما أضرَّ ذلك بك وربما قتلك"، هذه من الكلمات التي أحياها، وعشتُ معها طول عمري هذه الكلمات.

محمد علي باكثير كتب قصة جميلة في هذا الباب، عن رجل مجذوب، وتعرفون أن الناس يُسمُّون المجانين مجاذيب، ويعتقدون فيهم الصلاح -في القرى قديمًا بسبب الجهل-، وأنه ينطق بالغيب، والنساء يُدخلنه ليسألوه ويعطوه المال والطعام ويعتقدون أنه كما يقول البعض (اللاوي) يعني رجل مفتوح إلخ اعتقادات الجهلة.

فيضرب قصة عن قرية مصرية فيها مجذوب، فيقول: هذا رجل مجذوب ودائمًا أوضاعه سيئة والناس يطعمونه لأنه مجذوب، والمجذوب على طريقة الصوفية مجذوب إلى الحضرة الإلهية عندهم، -والصوفية هم من أفسد اللغة، لأن كلمة (بُهلول) معناها الرجل الكريم الشجاع ونحن الآن صار معناها عندنا مجنون، لأن الصوفية يطلقون على مجانينهم بهلول-، فهذا المجذوب لطيبته وظنوه مسكينًا مجذوبًا، فكان الناس جميعًا يُلقون إليه بأسرارهم، فكل من لديه هم يأخذه ويأخذ معه بعض الطعام ويذهب به عند المقبرة ويجلس معه ويُحدّثه، والمجذوب يهز رأسه، المهم كل القرية أسرارها عند المجذوب على أساس أنه مجنون لا يفهم، في النهاية اكتشفوا أنه ذكي فقتلوه، لأنهم كلهم أصحاب أسرار عنده.

على الأعداء كلام كثير، مثلًا يقول:"اطرح المبالاة بكلام الناس"، نفس كلمة الشافعي:"ما يضرك كلام الناس".

يقول:"إياك أن تمتنع عن العمل مخافة الرياء".

ويقول:"من قَدَّر -يعني من ظنّ- أنه يسلم من طعن الناس فهو مجنون"، هنا يأتي هل يمكن أن يكون ذم الناس أفضل من مدحهم؟ يقول: نعم ذم الناس أفضل من مدحهم، لأن المدح يدعو العُجب ويدعو إلى السكون، لذلك قال: الذم أفضل؛ لأن الذم ينقلب عليك، فإما أن يكون الذم صحيحًا فتُصلح نفسك، وإما أن يكون غلطًا فتصبر وترد فتنتج المعارف. ذم الناس يقول ليس هذا من جهة ملاءمته للنفس، هو يعترف لا أحد يقول: أنا ذم الناس عندي ومدحهم سواء لا أحزن لذمهم، بل أحزن لكن كيف أتحرك؟ ما هو رد الفعل الصحيح على ذم الناس؟ الأنبياء كانوا يغضبون ويتعبون مما يُقال عنهم من كذب.

آتي لكلمة ينبغي الوقوف عندها، لما جاء لقواعد العلم وهذا الفصل مع قِصره مهم جدًّا، وهو (قواعد في العلم) تحدث عن العلم وما هو، تحدث عن ما هو أجلُّ العلوم، تحدث عن قضيتين في العلوم مهمتان جدًا، وقد يبدو بينهما التعارض وليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت