الحضارة بالرّقي الإنساني هو تلقيها من مصادر أخرى، هو مصدر النصرانية، وأٌلّفت في ذلك كتب، والذي دعاني أن ألجأ إلى هذا الكتاب هو قراءتي لتلك، في كتاب اسمه: (أثر الحضارة النصرانية على الحضارة الإسلامية) ، هو كتاب رسالة دكتوراة وأشرف عليه الدكتور محمد أحمد خلف الله -المشهور-، ويتحدث عن الأديرة، قلنا نذهب لنرى الأديرة من مصادرها، فذهبت إلى الأديرة ما شاء الله عنها!، هذا الكتاب يكشف لنا ما نريده نحن الآن.
ما هو مقصد المحقق؟ ما هي صورة الحضارة الإسلامية بنفس هذا النصراني كوكس عواد وكوستاس الرملي ولويس شيخو؟ حضارة عربان قادمين من الصحراء ليست لهم قيمة ولا ثقافة، لكن لما جاءوا إلى الشمال وخاصة ما بثه جورجي زيدان في كتبه وتاريخه، وهذا جزء من التلغيز، جزء من الفن، أعداؤنا استفادوا منها، لما تذهب لقصص جورجي زيدان -والأصل جورج لكن جورجي أكثر تسهيلًا ليصبح مقبولًا-، فلما تقرأ كتبه، وبالفعل لما ترجع إلى قصته (فتاة غسان) ، وتبحث تقرأ القصة بعيدًا عن سرقتك، واحد يحب وحدة ثم بتزوجها ومن هذا الكلام، فتبحث ماذا يريد الرجل هذا؟
وإذا به يريد أن يقول لك أن الغساسنة كانوا من أعظم الناس حضارة، في الثقافة، في البناء، في الحضارة في الترتيب، وجاء هؤلاء العربان البجم القادمون من مكة والمدينة بقوة، وبعد ذلك صُنعت الحضارة من خلال وعاء الثقافة المسيحية. هذا طبعًا ضد ما نقوله في ديننا، وكلما كنا نحن أكثر صلابة في رفض هذا الذي يسمونه كلما كنا أكثر عزة.
فهو أراد هذا، وقامت دراسات تدعو لهذا الأمر؛ وهو البحث عن مصادر تخبرنا بما أنتج النصارى في الثقافة الإسلامية. هذا الكتاب يريد هذا المقصد، يريد أن يقول: انظر الوجود الإسلامي كان موجودًا في الأديرة، هي التي فيها الإنسانية، سوف نكتشف هذه الإنسانية الجميلة الراقية، والأبنية العظيمة والترتيبات. هناك كتاب أرجو أن يُقرأ لحبيب الزيّات عن الأديرة النصرانية في الإسلام، فهو يقوم على هذا المقصد؛ أن الدير كان له وجود حضاري وجود ثقافي.
فإذًا مقاصدهم هو فيما ذكروه وبيّنوه، وهو التقاط الكتب التي تُبيّن أثر الثقافة النصرانية في بناء الحضارة الإسلامية.
وهذا اضطر نجيب البهبيتي مثلًا أن يدافع عن أبي تمّام، وكتّاب التراجم يبحثون أحيانًا عن الغرائب والعجائب للتميز، مثلًا أبو تمّام أبوه اسمه أوس، وأبو تمّام طائي، وطَيْء في الشمال، فلغتها غير محتج بها لأنها في الشمال وقد قاربت العجم ودخل فيها العُجمة إلى غير ذلك، وطيء منها حاتم الطائي ومنها مين الصحابي الجليل عدي بن حاتم، وكان نصرانيًا على مذهب الرُّكُوسية