فلقربها من الشمال تنصروا، فهم عرب تنصروا. ولكن انظر إلى هذا الخبث وهذا الدّس الخطير، وذُكر في بعض تراجمه قالوا: يُقال أن والده اسمه (تَدْرُس) كان نصرانيًا، هذه الجملة الصغيرة يبنون عليها في النهاية أن أبا تمّام هذا الإمام العظيم في اللغة وهو من الشعراء العلماء، وذوّاقة في الشعر، وهو الذي يقال عنه أنه كسر عمود الشعر، لكنهم يريدون أن يقولوا بأن أبا تمّام هو إنتاج نصراني، لمجرد أن والده كان نصرانيًا، فما دخل النصرانية في العرب؟ هكذا نفهم كيفية التدسيس لهذا الموضوع.
كيف نستفيد من هذه الكتب؟ نأتي الآن لماذا نريد هذا الكتاب إذًا؟ بعد هذا الشرح قد يأتي شيخ ويقول -كما يفعل البعض-: امسك هذه الكتب وارمها في البحر وأرحنا منها، لما فيها من أخبار قذرة ومكذوبة، لما فيها من الصورة التي ذكرناها من تعميم صور الفساد على المجتمع الإسلامي، هذه الكتب نريدها لأنها مهمة لدينا، ومن أجل هذا المقصد اخترت هذا الكتاب، كتاب (الديارات) للشاه بشتي.
لماذا هذا الكتاب؟ هذا الكتاب يكشف لنا حقيقة الدَّيْر، فإذا أردت أن تعرف ما هو الدير في التاريخ الإسلامي فاذهب إلى هذا الكتاب.
وعلماء الأدب واللغة اهتموا بالأديرة ليس على أساس علمي ولا ثقافي، إنما اهتموا بها بجوانب متعددة، الذين ألفوا بالديارات كثر، والذي أعرفه أنه لم يصل إلا كتاب (الديارات) للشابشتي ومحققه يقول هناك (الديارات) لأبي الفرج الأصفهاني، وهو كتاب مطبوع وجدته ولكن ليس عندي، وموجود في الإنترنت، وهناك كتب أخرى في بعض كتب الأدب تجد مثل كتب الأماكن التي تختص بالجغرافية والبلدان والمدن، فتجد حديثًا طويلًا عن الأديرة؛ لأن الأديرة أنتجت أدبًا.
قلنا الشابشتي يريد مقصدًا آخر، يريد ضرب التاريخ، يتخذ عنوان الأديرة من أجل مقصده، أنت لو دخلت كتاب (الديارات) تَعْجَب؛ الفقرة الأولى يتحدث عن الدير فقرة فقط من سبعة أسطر، أين يوجد الدير، ما فيه من مكتبة، ما فيه من راهبات جميلات جدًا، ولأي شيء كان يُتَّخذ، ستة أو سبعة أسطر، وبعد ذلك يأخذ لك شخصية إما خليفة وإما شاعر وإما مغني وإما قائد عسكري وتُصبح أربع أو خمس صفحات كلها في حديث عن شعر هذا الشاعر، وذِكر هذا الخليفة أو ذكر هذا المغني، وينتهي كأن الحديث ليس عن الأديرة وإنما هو حديث عن الشخصيات. إذًا هذا يكشف لنا ما هو مقصد صاحب الكتاب، هو ليس فقط حديثًا عن الأديرة، الدير له أسطر معدودة وبعد ذلك يفيض الحديث عن الشعر وكذا إلخ.