لكن لماذا إذًا الأديرة تُذكر في الكتب؟
إما أن تُذكر في كتب الأماكن لأنها أماكن تجمُّع، وإما أن تذكر من أجل الأدب فيها، يعني هناك أشعار قيلت في هذه الأديرة، فيجمعونها، وهناك أخبار أدبية قيلت في الأديرة وكان مناسبتها الأديرة فيذكرون هذه الأديرة، فمن هنا نشأ"أدب الدير"-إن صح التعبير هذا مني-، الدير له أدب كما أن لأماكن أخرى آداب، كما أن للأعياد آداب، يعني قصص تاريخية بين الأدباء وأشعار وقصص للترفيه، الكتب الموجودة، فيذكرون هذه الأمور ذكرًا مطوّلًا.
إذًا ما هو الدير في ثقافتنا؟ في ثقافتنا الإسلامية هو ما يبسطه أصحابه، واعتنوا به. ما هو شأن الدير في التاريخ والثقافة الإسلامية؟ هذا الذي من أجله اخترنا هذا الكتاب، ونحن نستفيد فهذا جزء من تاريخنا، هذا جزء من أمتنا، حتى لو كان هذا الجزء من التاريخ هو بمقدار المرحاض في البيت اليوم.
ولكن من أكبر في البيت المرحاض أم غرفة النوم؟ أم غرفة المعيشة؟ فهم يُصوِّرون أن تاريخ الأمة وجلوسها دائمًا في المرحاض، يعني حتى لما نذهب إلى الديارات فنجد متى يذهب إليها الناس؟ هل طيلة الوقت جالسون في الدير وهناك الثقافة وأماكن العلم؟! طيب نحن عندنا المسجد يذهب له المصلون خمس مرات في اليوم، احسبها كم النسبة الزمنية، يتوضأ ويمشي للمسجد ويجلس، وقد يكون هناك حديث وقد يكون خطبة الجمعة، فكم يأخذ من المسجد من يومك؟ إذًا ثقافة المسجد هي الثقافة الحقيقية في الأمة، والدير هو بيت الخلاء.
لكن هم يريدون أن يجعلوا الدير هو المكان الثقافي. والله يا إخوتي قرأت هذا الكتاب باحثًا عن هذه الصورة التي يريد أن يقدمها النصراني لحقيقة الدير فلم أجد، بمعنى أن هناك طلبًا من هؤلاء النصارى بوضع الدير كمركز ثقافي، مركز ثقافي يعني أن يذهب فيتناظر الناس فيه في مناظرة علمية، يذهب للدير لسماع محاضرة، يذهب للدير لما يُصنع في الأسواق التجارية التي صارت أدبية، مثل ذي المجاز وذي المجنّة وعكاظ، هذه أسواق تجارية على هامشها أُوجدت أسواق ثقافية ونوادٍ ثقافية، يتناشدون الشعر.
بحثت في هذا الكتاب كونه هو المرجع، وحتى قرأت شيئًا قليلًا ليس كثيرًا من كتاب (الديارات) لأبي الفرج الأصفهاني فلم أجد هذا، يقولون شعرًا وهم في القصف -يعني في اللهو والسُّكر والعربدة- يقولون الشعر الساقط، وللذكر فهذا الكتاب ما فيه