وقد مارسها علمائنا. مثلا كتاب (المستدرك) للإمام الحاكم، دائمًا يقولون واختصره الذهبي، لماذا اختصره؟ هو اعترف أنه اختصره ليتمرّن. هو درس علم الحديث، ودرس مصطلح الحديث فأراد أن يطبّق قراءة هذا المصطلح على نص، فذهب إلى (المستدرك) وبدأ يدرس، وله تخريج كبير، والذي جاء فقط المختصر، فهو له تخريج كبير للمستدرك لكنه جاء إليه وعلّق عليه، فانتهينا إلى أن نجد وافقه الذهبي، صحيح أو كذا، فقد اشتغل شغلًا كبيرًا من أجل أن يحصّل. فبم بلغ العلم؟ بالتصنيف.
وصار هذا الكتاب مصنفًا يقرأه طلبة العلم وينظرون إليه. ويقع في هذه الطريقة عند الابتداء شيء من الطرب وشيء من العجب، وهذا الذي دعا الأسْنوي أن يقف عند النووي كيف هو مرات يتكلم فيطرب، ومرات يأتي بالعجائب.
نذكر نص الأسْنوي حتى تتضح المسألة فهذه من أفضل طرق تحصيل العلم، قال الأسْنوي في شرحه على الروضة والرافعي:"وقوع هذا للشيخ محيي الدين النووي أكثر وذلك أنه لما تأهّل للنظر والتحصيل رأى من المسارعة إلى الخيرات أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفًا. العالم يقول المسألة الفلانية وفيها كذا وكذا وهو يذهب إلى الكتب فيرجع إليها وعلى ضوء ذلك يصنّف، فكثرت تصانيفه."
فإذن تصانيفه هي علومه التي حصّلها فترافق التحصيل مع التصنيف.
الآن أنا أشعر أني لما رأيت هذا أنه بالفعل أول قشرة قد زالت - أن صورة النووي عندنا رجل زاهد عابد يعني"على البركة"وأظن أنها صورة عند كثير من الناس- لكن من الواضح أنه رجل عظيم ذكي وصاحب فهم ويعرف كيف يعمل، فهذا يدل على أنه أتقن وسيلة في أن يبلغ درجة العلماء في التصنيف عن طريق التحصيل. الأمر كبير، تسع عشرة سنة ? بد أن يلحق غيره من العلماء، هذا يدل على أن الإمام النووي ذكي يدرك حاله ووضعه الخاص.
طبعًا في عمر تسع عشرة سنة يجب أن يعرف المرء أنه فاته عصر الحفظ. عليك أن تدرك أن وقت الحفظ قد فاته، ست سنوات ماذا يستطيع أن يحفظ فيها؟! تبقى له بعض المحفوظات التي اهتم بها مثل المهذّب للشيرازي، فقد ذُكرت له، لكن عصر الحفظ الأول قد ذهب، فكان اهتمامه بالمعاني فأنتج هذه الكتب العظيمة وهو يصنف ويكتب. ولذلك كان في وقت واحد يشتغل في مشاريع كثيرة، ولأن عمره قصير لم يتمها.