فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 715

هذه نقطة مهمة في فن القراءة في أن من أعظم طرق القراءة في مسائل العلم والفقه ومسائل الخلاف وهو أن تقرأ وتبحث وتقارن وتفتش وتكتب، ولا بأس أن تكتب. وحينئذ أنت ترتقي، فيمكن أن تخطئ، والعلم مثل قضية التربية، تخطئ وتصيب، ويراجعك الناس، وأنت تقول القول وترجع عنه غدًا، وهذا هو طريق العلم.

فمن أجل هذا كثرت كتب النووي. إذن هو ست وعشرين سنة يحصّل ويصنّف، فجعل التصنيف طريقًا للتحصيل، أو جعل التحصيل سبيله في التصنيف.

النقطة الثانية في الموضوع وهي أننا ندرك بعد هذا الأمر أن النووي رجل عابد، وللذكر نحن في الأسبوع الماضي كنا نتكلم عن (الديارات) ، أنا كنت أريد أن أختار الأسبوع القادم (الدارس في تاريخ المدارس) ، لأن الذي يقابل الديارات فيما تكلمنا عنه المدارس الإسلامية التي أنشأها علمائنا وأنشأها ملوكنا المسلمون وماذا كان فيها من العلوم، وماذا كان فيها المكتبات، وما كان فيها من مفاخر، لكن نؤجل هذا الكتاب والكتاب القادم سيكون كتاب المنقذ من الضلال للغزالي.

نرجع للنووي، النقطة المهمة جدًا في الباب وهي أن هذا الإمام بلا شك فيه نفحة إلهية، بمعنى أن الله -سبحانه وتعالى- بارك لكتبه، ووضع لها القبول، ولذلك انتشرت هذه الكتب. وهذه الكتب ليست فريدة في تصنيفها، ولكن وُضع لها الانتشار. يعني الآن من يجهل كتاب (رياض الصالحين) ؟ هو كتاب منتشر، ولا بد لكل أحد في بيته أن يرجع إليه.

كتاب الأذكار الذي بين أيدينا، (التبيان في آداب حملة القرآن) ، كتبه مشهورة ومعروفة، وله كتب في الرجال، وله كتب في مصطلح الحديث، وله مصنفات كثيرة. يعني هذا إمام عظيم، فلا بد أن نعترف كما يقول علمائنا عندما يأتون للورقات للجويني ويحسبون أكثر من ستين شرحا لها، حتى أنّ بعضهم نظمها شعرًا، هذا لا بد فيه شيء. يعني لم يكن هناك صراع على العقول في زمانهم، يعني لم يكن هنالك المؤسسة الفلانية التي إذا رعت الشيخ صار مقدمًا، وإذا أماتته مات - مثل المغنيين اليوم - إذا تبنّته مؤسسة يصير مشهورًا، وإذا أماتته المؤسسة مات واندثر.

إنما علمائنا على طريقة عبد الرزاق الصنعاني لمّا حجَّ -وذُكر هذا في ترجمته- فحجّ من صنعاء لمكة، فانتظر أول يوم أن يأتيه التلاميذ ليسمعوا منه الحديث، فما جاء أحد. وثاني يوم انتظر أن يأتيه طلبة الحديث، وطلاب الحديث، وعلماء الحديث فلم يأتوه؛ فوقف إلى الكعبة فقال يا رب أ كذّاب أنا حتى لا يأتيني أحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت