فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 715

ففي ثالث اليوم ما وجد أحد متسع لمكان على باب بيته وعلى مجالسه، فهذا وضع إلهي ولا شك. لأن الرجل يقول ما قدر أحد أن يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السحر إلا أصبح الناس يقولون فلان كذاب، فهو قال كلمته والله -عزَّ وجلَّ- ردّ عليه بأن قذف القلوب إليه، سبحانه جلّ في علاه.

فمن هذا الدين أن يضع الله -سبحانه وتعالى- القبول لكلامه في قلوب الناس، وأن يصبح كلامه منتشرًا، وله فضل وذكر، ويسيرا بين الناس، هذا ليس بفعل مؤسسة، وليس بفعل كذب ودجل وإعلام ومال يُنفق حوله، إنما هذا بوضع إلهي. هذا الدين لا يقوم إلا على الإخلاص.

ومن هنا فإن الإمام النووي -رحمه الله- لا بد أن نعترف أن انتشار كتبه كان لشيء إلهي فيه، يعني أنّ الله أراد أن يبارك فيها، والناس يحبونه ويحترمونه، ولو انتقدوه لا يستطيعون أن يذهبوا بعيدًا. يعني إذا الناس ردّوا عليه فقالوا أنّ فيه بعض أشعرية، لكنهم لا يستطيعون أن يحرقوا كتبه لهيبته وعظمته، الإمام النووي إنسان عظيم، لو ردّوا عليه في بعض المسائل يردون عليه بالعلم وبالاحترام وبالتقدير، فهي شخصية كسبت القلوب. فحتى لو أراد خصم أن يضربه فإنه يراعي العوام والعلماء الذين يحترمونه.

يعني لو جئنا لشخصية أخرى مثلًا كالسبكي، السبكي عالم من علماء الأمة العظام، لكن ربما تجد مثلًا لخصومته مع شيخ الإسلام ابن تيمية يجرؤ بعض الناس على زيادة العيار ضده، لكن هو نفس الشيء، ما عند السبكي هو عند النووي، والأشعرية التي عند السبكي هي الأشعرية عند النووي، والشافعية عند السبكي هي الشافعية عند النووي. لكن بلا شك أنهم لا يقدرون على النووي كما يقدرون على السبكي، كون السبكي حاربه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.

هذا مهم جدًا وهو أنه من أراد أن ينتشر أمره بين الناس فلا ينتشر إلا بالحق، ومن الحق ألا يطلب الظهور، بل هو يكتب لله، ونفعًا للأمة، ومن أجل أن يتقرب إلى الله بما يكتب. يخلص للّه ويتقرّب إليه بهذه الكتابة، وألا يهتم للناس مدحوه أو ذموه أو قبلوه أو رفضوه، فمن الإخلاص أن يكون في قلبه كذلك، كما قال ابن عطاء الله السكندري صاحب الحكم فله كلمة بأن الشيء لا ينبت حتى يُدفن.

هل الشيء ينبت قبل أن يُدفن؟ لا بد أن يُدفن هذا الشيء حتى ينبت، فأول شيء لا بد أن تدفن نفسك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت