هؤلاء الذين يزعمون أنهم ينتجون علومًا وينتجون معارف وينتجون حكمة من بيوتهم الخربة ولا قرآن فيها هؤلاء كذابون، ينتجون كلامًا هدر كما يسميه الجزائريون، كلام شوارع، كلام مساطب كما يقول المصريون، لا قيمة له. الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب. فعليه أن يعود إلى القرآن مرة بعد مرة.
هذه القاعدة نطبقها على أول درجة بعد القرآن وهي الحديث. من هنا قراءة التعبد للنص النبوي توجب إليك أن تعود إليه مرة بعد مرة. هذا كتاب (الأذكار) هو كما وصف الإمام أحمد إمامه الشافعي لما قال عبد الله لأبيه أحمد: يا أبتي مالي أراك تكثر الدعاء للشافعي؟ يدعو له كل يوم. فقال: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل عنهما غناء؟
هذه كلمة ليس لعظمتها، ولكن لأن الناس العظماء يعرفون بعضهم البعض. أحمد لا ينظر للشافعي أنه منافس، ولا أن إسقاطه يدعو له وقال له هذا كالشمس للدنيا، هل يمكن للدنيا أن تستغني عن الشمس؟ وكالعافية للبدن، هل البدن بغير عافية يستطيع أن يتحرك ويمشي ويقوم بواجباته وأعماله؟ فهذا الشافعي هو هكذا. هذه الكلمة يقولها هذا الإمام عن هذا الإمام العظيم، وفي الحقيقة أحق الناس بهذا الوصف هو الحديث النبوي. الشمس كل يوم تشرق أم لا؟ والعافية البدن كل يوم تأخذ لها طعام أم لا؟ وكل يوم تذهب إلى الخلاء حتى تنقي البدن من الأوساخ والقاذورات والأمراض.
فلذلك القراءة الدينية القراءة التي فيها معاني التعبد لا بد أن تعود إليها مرة بعد مرة، ولذلك هذه ضرورة الأفكار. لأن مسألة العلم في القرآن مربوطة بمسألة الإيمان. ولذلك لا بد أن نقرن العلم بالإيمان، العلم بما يقوله النبي - صلى الله عليه وسلم - مقرون بالإيمان، والإيمان هو قول وعمل. فلا بد من العلم من القول، لا بد أن تبقى مكررًا دائمًا للنص النبوي. كلما أشرقت الشمس، كلما أفقت من نومك، كلما أردت أن تنام، كلما أردت أن تأكل، فأنت تعيش حال التعبد. هذه هي قراءة التعبد، القراءة التي تشعرك دائمًا بعبوديتك لله في كل يوم.
وربط الله -عزَّ وجلَّ- لكل كلمة تقال معنيان؛ المعنى القدري المتحقق بها، والمعنى العلمي الذي هو يلزمنا الآن في باب فن القراءة. الآن لما تخرج من بيتك وتقول بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يتنحى عنك الشيطان ويقول كيف لكم برجل قد كُفي وعُفي، فهذا أمر قدري تحقق به، غير الأجر الأخروي، لكن تحقق بهذا الذكر أمر قدري.
ولذلك العلماء لما جاؤوا إلى قوله (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) كما شرح ذلك ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية قال هذه الكلمات الكونية. يعني الله -عزَّ وجلَّ- يجعل بكلماته التي تقولها الشرعية يجعل كلمات كونية حفاظًا،