فهذه نقطة لا تُعاب على الرجل، وعلينا أن نفهم أن المصنفين بعد القرون الأولى من التصنيف هم يبني بعضهم على بعض، وهذا ليس عيبًا. وهذا مهم في القراءة، عليك ألا تحتقر، لأن هناك من يحتقر يقول هذه أخذها من فلان، وهذه أخذها من فلان، نعم لا بأس، لكن هل صنعها صناعة جديدة؟ هل قدّم لها؟ هل مهّد لها؟ هل زاد عليها؟ إلى آخره، فلا يُعاب هذا الباب ولكن من بركة العلم أن يُنسب العلم لصاحبه.
يعني ينبغي على طالب العلم أن ينسب هذا العلم لصاحبه، أن يقول هذه أخذتها من فلان إلى غير ذلك، ولا يظهر للناس أنه هو الذي أتى بما لم يأت به الأوائل. وقلت سابقًا بأن كتاب العلم في الإحياء قد أخذه كاملًا صاحب الجامع في طلب العلم الشريف، والناس مساكين هو أخذه بكل هيكله التام ووضع فيه كلام الغزالي ووضع فيه كلام ابن تيمية ووضع من هنا ومن هنا وملأ الحواشي في هيكل كتاب الإحياء بزيادات، والناس ظنوا أنه هو الذي أتى بما لم يأت به الأوائل، وهو مأخوذ بأصوله من كتاب الإحياء.
فينبغي على المعاصرين أن يظهروا هذا، لا أن يسبوا الغزالي ثم إذا بهم عالة عليه! لأن الغزالي في الحقيقة يعترف حتى أكابر خصومه أنه من عقلاء التاريخ، وهذا لا شك فيه.
النقطة الثانية في هذا الباب وهي لماذا الإمام النووي أراد إفراد الأحاديث في كتاب الأذكار وأوردها في كتاب رياض الصالحين بتجريدها فقط بالنص، وطريقة الغزالي ليست كذلك. الغزالي يتكلم على الأحاديث، يعني هو له إنتاج ذاتي بخلاف النووي. النووي يقدم الأذكار كما هي مع زيادات في مسائل الفقه وسنأتي إلى شخصية النووي العجيبة هنا، في الأذكار فيه شخصية غريبة النووي يظهرها، سنأتي إليها.
فهو في رياض الصالحين يجرّد الأحاديث ويأتي بمسائل فقهية قليلة جدًا. لكن طريقة الغزالي تختلف، الغزالي يأتي أولًا بالموضوع ويشرحه على منواله وطريقته في الطريقة التي قال عنها علمائنا أن الغزالي أوّل من مزج الفقه بالتصوّف. ولذلك لما يأتي ابن تيمية مثلًا لبعض المسائل ويقول وهذه أجمع عليها العلماء وإن كان بعض أهل التصوّف ممن تكلموا في الفقه قالوا غير ذلك.
مثال كراهية قصّ الأظافر قبل غسل الجنابة، فالغزالي مثلًا قال من الأفضل للمسائل التي خرجت فيها التصوف عن حد الفقه أنه ليس حسنًا أن تقص أظافرك وأنت جنب لأنك تقلع الأظافر وهي جنب، فاغسلها أولًا ثم قصّها. وهذا مخالف