"وقد ثبت في"صحيح مسلم"عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال في قصرِ الصلاةِ: (صدقةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فاقْبَلُوا صدقتهُ) ."
"وَمَنْ ذلك ما حكاهُ النحاسُ أيضًا، عن هذا القائل المتقدم ذكرهُ، أنه كره أن يُقال: اللَّهمّ أعتقني منَ النَّارِ، قال: لأنه لا يعتقُ إلا مَن يطلب الثواب". نفس المعنى.
"قلتُ: وهذه الدعوى والاستدلال من أقبح الخطأ، وأرذل الجهالة بأحكام الشرع، ولو ذهبتُ أتتبعُ الأحاديثَ الصحيحة المصرِّحة بإعتاق الله تعالى مَن شاءَ من خلقهِ لطال الكتابُ طولًا مُمِلًّا."
وذلك كحديث: (مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً أعتقَ اللَّهُ تَعالى بكُل عضوٍ منها عضوًا مِنَ النَّارِ) .
وحديث: (ما مِنْ يَوْمٍ أكْثَرُ أنْ يُعْتِقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ عَبْدًا مِنَ النّارِ مِنْ يومِ عَرَفة) .
ومن ذلك قولُ بعضهم: يكرهُ أن يقولَ: افعلْ كذا على اسم الله؛ لأن اسمهُ سبحانه على كلِّ شيءٍ. قال القاضي عياضُ -رحمهُ الله- وغيرهُ: هذا القول غلط.
فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه في الأضحية: (اذْبَحُوا على اسْمِ الله) أي: قائلين: باسم الله.
ومن ذلك ما رواهُ النحاسُ، عن أبي بكرٍ محمدِ بن يحيى -قال: وكان من الفقهاء الأدباء العُلماء، قال: لا تقُل -وهذه منتشرة هذه الأيام من بعضهم-: جمعَ اللهُ بيننا في مستقرٌ رحمتهِ -على أساس الرحمة صفة للذات، ومستقرها في ذات الله-، فرحمةُ اللهِ أوسعُ من أن يكونَ لها قرارٌ، قال: ولا تقُل: ارحمنا برحمتك.
قُلتُ: لا نعلمُ لما قالهُ في اللفظين حجة، ولا دليلَ له فيما ذكرهُ، فإن مرادَ القائل بـ"مستقر الرحمةِ": الجنةُ". يقول أحدهم اللهم اجمعنا في مستقر رحمتك، الجنة هي رحمة الله. هل يجوز أن تطلق الأثر على الصفة؟ {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} هذا إطلاق للصفة على أثرها، فأثرها تجري بأعيننا برعايتنا، أثر العين هي الرعاية."
"ومعناهُ: جمعَ الله بيننا في الجنة التي هي دارُ القرار، ودارُ المقامةِ، ومحل الاستقرارِ، وإنما يدخلها الداخلون برحمة اللَّهَ تَعالى، ثُمَّ من دخلَها استقرَّ فيها أبدًا، وأمِنَ الحوادث والأكدار، وإنما حصل له ذلك برحمةِ الله تعالى، فكأنه يقولُ: اجمع بيننا في مستقرٍّ ننالُهُ برحمتك". اللغة العربية تتحملها، هذا هو الذي جعل العربية بليغة.