ومن هنا نشأت لفظة"حدثني قلبي عن ربي". ومن هنا أنتم تأخذون علومكم ميت عن ميت وأنا آخذ علمي حدثني قلبي عن ربي. فيقول الأستاذ محمود أبو القاسم بأنّ هذه الأحاديث جاءته عن طريق الكشف، الذي لا أصل له، بمعنى أنه أخذها من النبي مباشرة على الوهم الصوفي المشهور في الكشف. هذه نظريته، وهو يتوسع فيها توسعًا غير مقبول بلا شك.
لكن مما يرد على هذه النظرية أن كل الأحاديث التي ذكرها الغزالي موجودة، فكونها لا أصل لها لا يعني أنه أنشأها. هي موجودة في البيئة التي يعيش فيها، ولم ينشئها الغزالي، وإنما ضُعف علمه في علم الحديث هو الذي جعله يستشهد بها.
أرجع إلى قصتي التي شرعت فيها لتعرفوا البيئة التي كان يعيشها الفقهاء ويعيشها الأصوليون ويعيشها الناس في ذلك الوقت، لما أراد أن يؤلّف أبو محمد الجويني والد شيخِ الغزالي كتابًا في الفقه الشافعي شرع بكتاب المياه؛ لأن باب الصلاة لا يتم إلا بالوضوء، فلا بد من معرفة أحكام المياه على طريقة أغلب الفقهاء سوى المالكية، لأنّهم يبدؤون بكتاب الأذان كونه المعلم لدخول الوقت وشرط دخول الوقت هو الذي ينشئ وجوب الصلاة.
لما ألّف كتابه وبدأ بكتاب المياه استشهد بحديث ونسبه للصحيحين وهو حديث الماء المشمس. وهذا الحديث لا أصل له، فيه كراهة الماء المشمس والنهي عنه وأنه يورث البرص إلى آخره. فهذا حديث لا أصل له، لا وجود له في كتب السنة، ونسبه أبو محمد الجويني للصحيحين. من أين علمنا هذه القصة؟
علمنا هذه القصة من رسالة للبيهقي إلى أبي محمد الجويني.
أبو بكر البيهقي إمام الحديث في عصره، وهو الذي قيل فيه للشافعي يد على كل عالم حمل المحبرة إلا البيهقي فإن له يدا على الشافعي. علمنا هذه القصة من رسالة منشورة، وهناك كتب اهتمت برسائل العلماء كرسالة مالك إلى الليث رحمهما الله، ورسالة الليث إلى مالك. ومن الرسائل التي اهتم لها أهل الإسلام هي رسالة أبي بكر البيهقي إلى أبي محمد الجويني.
أبو محمد الجويني إمام شافعي عظيم سواء كان في علمه أو في تقواه، ومرجع زمانه في مذهب الشافعي، ومع ذلك يجعل هذا الحديث في البخاري ومسلم، يعني أن هذا الإمام لا يعرف البخاري ومسلم. ولذلك لا تتعجبوا أنّ الغزالي لا يعرف البخاري، أو أنه في آخر عمره يبحث عن البخاري من أجل أن يقرأه. هذا ليس عجيبًا والدليل أن هذا الإمام الفقيه الذي هو مرجع للمذهب الشافعي عليه رحمة الله أبو محمد الجويني يؤلّف كتابًا في الفقه وينسب فيه حديثًا للبخاري ومسلم وهو حديث لا أصل له.