ومن هنا فأشهر تجربة في التاريخ الإسلامي لضبط قانون التأويل فشلت. وهي تجربة الغزالي في كتابه قانون التأويل. لم يستطع مع عقله الكبير ومع تجربته المتّسعة واحترامه الفقهي والبياني إلّا أنّه فشل ولم يستطع؛ لأنّ التأويل غلط، لأنّ التأويل غير صحيح. نقول التأويل بمفهومه البدعي وليس التأويل بمفهومه الفقهي أي الاجتهاد بل نفرق بينهما.
أين الخطورة هذه؟ الّذي قاله هؤلاء الإسماعيليون أو القرامطة أو السبعيون أو الباطنيون في رسائل إخوان الصفا ما زلنا نعيشه وما زالت الأمّة تعيشه. محاولة التوفيق بين الإسلام وبين غيره، هذا مشروع باطل لا يجوز. القرآن {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ} يقذفه، ويدمره. {يُخْرٍجُهُمْ مِنَ الظُلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} . في عالم القيم، وعالم المفاهيم لا التقاء. حتى لو التقت في الفروع فإنّ التكييف مختلف.
يعني أنا دائمًا أقول هذه الكلمة: حين يأتي البرلمان ويقرّ شريعة توافق الإسلام في ظاهرها، هذه ليست حكمًا شرعيًا ولو التقت مع الإسلام في الظاهر. فلو افترضنا أنّ البرلمان اجتمع وصوّت على حرمة الخمر، قال البرلمان الخمر حرام ويُعاقب عليها حتّى ولو اتّفقوا مع الشريعة في الأصل أي الحرمة وفي الوصف أي في العقوبة، فهذا لا يُسمّى حكمًا شرعيًا؛ لأنّ تكييفه لا يلتقي مع الإسلام. الأصل أنّ الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى.
هنا لم تأخذه لأنّه خطاب الله؛ ولذلك لا يلتقي. والإسلام في هذا الموضوع، في موضوع القيم وموضوع المفاهيم يجب أن يكون وحيدًا وهو الوحيد القادر أن يقدم منظومة كاملة كلّها تتلقّي من مصدر الحقّ وهو الله. هذا يغيظ المشركين والمبتدعة، في مرّات يقبلون بأنصاف الحلول، والقرآن قال هذا {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} ، {يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ} ، ممكن يحاوروك لأنّ الكفار عام ليس عنده مشكلة، لأنّه لمجرّد دخول عالم المساومة انتقض أصل الإسلام. مجرّد أن تقبل الآخر أن يكون له حقّ، أن يقول قولًا يلزمك به في منتصف الطريق لتلزمه بحقّ أنت تقول فيه، انتهى الإسلام وانتهت كلمة الإسلام؛ فالإسلام يعني التسليم لله. وأنت هنا ما سلّمت لله، أنت سلّمت لهم.
هذه النقطة صراع الجاهلية منذ محمّد - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، كلّها تدور حول هذه النقطة.
هناك أناس زعموا العبقرية، كما أنّ هناك أناس في زماننا يزعمون العبقرية السياسية والعبقرية الفكرية والعبقرية الفلسفية يريدون أن يقولوا ما قاله القدماء، ولكن هذه الفتنة تتشكّل تشكّلًا مختلفًا في كل عصر تتلاءم معه.