أين؟ يعني العالم في الدنيا وأنت جالس على إخوان الصفا أين هم؟! بل إخوان الصفا موجودون، الباطنية موجودة، التأويل من أجل تذليل النصّ لموافقة ما يعتقده المرء ممّا يأخذه من الشرق والغرب موجود إلى يومنا هذا.
نحن لا نكفّر من قال مثلًا بمطلق الديمقراطية، لكن لماذا تأخذ بالديمقراطية؟! تعالوا لنعالجها، ليس معالجة فقهية تعالوا لنعالجها معالجة نفسية. أعجز الإسلام أن ينتج آلية لتطبيق شرعه، على أساس أنّكم اتفقتم أنّ الشرع لا ينبغي أن يؤخذ إلا من الكتاب والسنة ولكن اختلفتم في الآلية، أليس كذلك؟ أعجز الإسلام والنصّ القرآني والسنة النبوية وتاريخ الأمم وتاريخ هذه الأمّة وتاريخ علمائها أن ينتج آلية؟ إذًا لماذا؟! قولوا لي، لنرجع إلى النفس فقط، لنرجع إلى السبب النفسي.
وأنا تعلّمت من القرآن وينبغي على كل مسلم أن يتعلّم منه أن يذهب إلى بواطن النفوس ليكشف سبب حركة الظاهر. وهذا الّذي دفعني على أن أذهب إلى صبغة الله الصمد لأفسّر سيرة النبيّ بتفسير القرآن؛ لأنّ القرآن يكشف بواطن النفوس. يعني {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} هذه من يكشفها؟ {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ} ، والسبب نفسي. فلمّا أنت تعرف السبب النفسي لا يغرّك بعد ذلك ما يُقال من كلمات.
نعم تبقى المعالجة الفقهية مهمّة، لكن المسألة مسألة نفسية أهمّ شيء. البعد النفسي للأسف إلى الآن لا كلام حوله في تاريخ التربية الإسلامية المعاصر. كلنا استُغرقنا في قضيّة الفقه الظاهري. لكن ما السبب؟ لماذا هذا المسلم يستخدم كلمة الديمقراطية؟! السبب هو الهزيمة.
لا تفسر لي أنا أفهم. أنت تريد أن ترضي غيرك، أنت تريد أن تطمئن غيرك، أنت تريد أن تقول أنا متفتّح وليس كالظلامي فلان. هذا هو السبب. لماذا لا تقول امسك الديمقراطية وارمها كلّها في القمامة ماذا سيخسر الإسلام؟ آلية الإسلام ماذا ستخسر؟ لا شيء. بل سيكون خطابك إسلاميًا عظيمًا ذاهبًا إلى عمق النصّ؛ ليستنبط منه ما أراد الله منك من ابتلاء في تخبئة المراد في داخله؛ لأنّ الله ابتلانا بالعمل بالنصّ وابتلانا أيضًا كما يقول الشافعي -رحمه الله-: كما أنّ الله ابتلانا لأن نأخذ بالظاهر ابتلانا أن نجتهد حتّى نعلم تأويل الباطن.
واحد يقول ما فيه في القرآن نقول له بل موجود أنت ابحث فقط. واحد يقول في الإسلام لا يوجد آلية تطبيق الشريعة نقول كذّاب، موجود لكن الله ابتلاك أنّه لم يظهر لك هذه وابحث عنها. فحينئذ يأتي أمر ديني جديد عليك بالبحث والتنقيب